٤٣٣ مليار دولار حجم سوق التعليم العالى الدولى عام 2030 ..
لابد أن نحصل على نصيب جيد منه لأننا نمتلك القدرة الكاملة
توجيه الرئيس عبدالفتاح السيسى بتحويل مصر إلى وجهة جاذبة للتعليم العالى المتميز ليس مجرد شعار يُرفع فى اجتماع ثم يُنسى حين تتفرق الوجوه.. إنه ورقة فارقة فى منظومة التحديث الشاملة التى تسير عليها البلاد. إذا ترجمته حكومة مُصمِّمة إلى خطة بمحاور واضحة وأهداف قابلة للقياس ومساءلة لا مساومة فيها.. الفرصة ليست أمامنا فحسب؛ هى تحت أقدامنا.. والسؤال الوحيد المشروع: هل نملك الجرأة الكافية على انتهازها؟
فى البدء.. لماذا هذا الرهان الآن؟
حينما اجتمع الرئيس عبدالفتاح السيسى فى وقت سابق مع رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى ود. عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالى فى اجتماع. كان الحديث يدور حول أعداد الطلاب الوافدين. وشروط القبول. وضرورة تجهيز الجامعات المصرية وفروعها وفقاً للمعايير الدولية. وفى نهاية الجلسة. صدر توجيه رئاسى واضح: تحويل مصر إلى وجهة جاذبة للتعليم العالى المتميز على المستوى العالمي.
ليست هذه مجرد رغبة عابرة فى خطاب دولة بل إنها رهان إستراتيجى حقيقى تتشابك فيه خيوط الاقتصاد والسياسة والهوية الحضارية. ومن يتأمل المشهد الدولى اليوم يدرك أن سوق التعليم العالى الدولى تحوّل إلى إحدى أكبر الصناعات الخدمية فى العالم. إذ بلغت قيمته السوقية قرابة مائة وستة وتسعين مليار دولار قبيل جائحة كوفيد. ومن المتوقع أن تتضاعف هذه القيمة لتتجاوز أربعمئة وثلاثة وثلاثين مليار دولار بحلول عام 2030. فى ظل تجاوز أعداد المتنقلين دراسياً حول العالم حاجز ثمانية ملايين طالب خلال هذا العقد.
السؤال الذى ينبغى أن يشغل الحكومة ليس: هل نستطيع المشاركة فى هذا السوق؟ بل: كيف نحوّل هذا السوق إلى رافد حقيقى لاقتصادنا الوطني. وأداة لاستعادة مكانة مصر التاريخية قِبلةً للعلم فى منطقتها وما وراءها؟ هذا هو بيت القصيد. وهذا هو الرهان الذى يستحق كل هذا الاهتمام.
لا ينبغى أن نبدأ من الصفر؛ فثمة أرضية قائمة يمكن البناء عليها.. أفادت وزارة التعليم العالى أن عدد الطلاب الوافدين فى الجامعات المصرية للعام الدراسى الماضى بلغ نحو ستة وعشرين ألف طالب. بزيادة نسبتها مقارنة الآن بعام 2019/2020 حين كان العدد لا يتجاوز اثنى عشر ألف طالب. وقد جاء غالبية هؤلاء من سوريا والسعودية واليمن وعُمان والهند ونيجيريا..وعلى صعيد التصنيفات الدولية. أعلنت وزارة التعليم العالى إدراج أكثر من عشرين جامعة مصرية فى تصنيف QS العالمى لعام 2025. مع تقدم لافت لجامعة القاهرة فى المركز الثلاثمائة وسبعة والأربعين عالمياً. والجامعة الأمريكية بالقاهرة فى المركز الثلاثمئة وواحد وثمانين. وجامعة عين شمس فى المركز الخمسمائة والثانى والأربعين. وقد أطلقت الوزارة فى سياق موازٍ مبادرة EGYAID للمنح الدراسية والسياحة التعليمية. إلى جانب منصة -ادرس فى مصر- الرقمية. وتأشيرة التعليم المخصصة للطلاب الأجانب.
هذه الأرقام مشجعة. غير أنها فى سياقها الصحيح لا تعدو كونها بداية متواضعة. فـ26 ألف طالب أجنبى فى منظومة تعليمية تستوعب ما يزيد على ثلاثة ملايين وثمانمائة ألف طالب لا تمثل سوى أقل من واحد بالمائة من إجمالى المقيدين. والهدف الذى أُعلن عنه فى وقت سابق من رفع هذا الرقم إلى مئاتى ألف طالب لا يزال بعيد المنال. ويستدعى رؤية راسخة مصحوبة بخطة تنفيذية جريئة وليس مجرد تصريحات طيبة النية.
الرهان الإستراتيجى
الطالب الأجنبى ليس مجرد رقم فى سجل قبول. إنه منظومة اقتصادية متكاملة تضخ رسوماً دراسية وإيجارات سكن وإنفاقاً على الغذاء والترفيه والسياحة الداخلية والرعاية الصحية، ففى الولايات المتحدة وحدها. يسهم الطلاب الدوليون بأكثر من أربعين مليار دولار سنوياً فى الاقتصاد المحلى ومصر. بتكاليف معيشة أقل بكثير وعرض تعليمى متنوع. تملك ميزة تنافسية كامنة لم تُفعَّل بعد، فكل مائة ألف طالب أجنبى يمثلون. فى تقديرات متحفظة. ما لا يقل عن مليار دولار من الإنفاق السنوى تتوزع فوائده على محافظات مصر المضيفة للجامعات.
والأمر لا يقف عند الحساب الاقتصادى المباشر. تاريخياً كانت القاهرة والأزهر ودور العلم فى الإسكندرية قِبلةً للدارسين من أصقاع المعمورة. الطالب الذى يقضى أربع سنوات فى مصر يغادرها حاملاً قدراً من الهوية والانتماء الثقافى يصعب شراؤه بأى دبلوماسية رسمية. هذا هو القوة الناعمة فى أجلى صورها. وهذا ما يفهمه الغرب جيداً حين يدير برامجه الكبرى للمنح كفولبرايت وإيراسموس وأمثالها. فاستقطاب الطلاب من أفريقيا جنوب الصحراء وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا يعنى بناء شبكة من السفراء غير الرسميين لمصر فى العقود القادمة.
وثمة بُعد ثالث لا يقل أهمية عن سابقيه؛ فالطالب الأجنبى الذى يختار مصر طوعاً ويدفع رسومه بالعملة الصعبة لا يقبل بمستوى أقل من المتوسط الدولي. ووجوده فى قاعة الدراسة مُحفِّز لأستاذ الجامعة لتجويد أدائه. وعلى الإدارة الجامعية لتطوير خدماتها. بمعنى آخر. استقطاب الطلاب الأجانب ليس هدفاً معزولاً. بل هو عامل تحفيز داخلى لتحسين جودة التعليم العالى المصرى برمّته. وهو بذلك يخدم الطالب المصرى قبل أن يخدم الطالب الأجنبي.
وفوق كل ذلك. تقع مصر فى بؤرة جغرافية استثنائية: بوابة بين أفريقيا وآسيا وأوروبا. فى قلب منطقة تضم أكثر من مليار وثلاثمائة مليون نسمة فى أفريقيا وحدها. يتضاعف عدد شبابها بوتيرة غير مسبوقة. ومع ارتفاع تكاليف الدراسة فى الغرب والتعقيدات المتزايدة للحصول على تأشيرات دخوله فى ضوء السياسات الجديدة. فإن مصر مؤهلة لملء فراغ حقيقى متنامٍ فى سوق التعليم الإقليمى والقاري.
الفرص والمقومات
مصر تمتلك بنية تعليمية عمرها قرون: جامعة القاهرة التى أُسست عام 1908. والأزهر الشريف بتاريخه الذى يمتد لأكثر من ألف عام. والجامعة الأمريكية فى القاهرة. وعشرات الجامعات الإقليمية والتخصصية. وهذا الإرث ليس مجرد ذاكرة تاريخية. بل هو علامة تجارية معروفة فى كل العواصم العربية والأفريقية والإسلامية. و الطالب من نيجيريا أو إندونيسيا أو السنغال يعرف الأزهر قبل أن يعرف اسم وزير التعليم المصري. وهذه حقيقة ينبغى أن تصنع منها السياسة التعليمية رافعة لا أن تتجاوزها.
وإلى جانب هذا الإرث. أنشأت مصر خلال السنوات الأخيرة نماذج فريدة فى العالم العربى لم تجتمع فى بلد واحد من قبل: الجامعة الألمانية بالقاهرة. والبريطانية. والكندية. والفرنسية. والروسية. وهذه الجامعات تمنح شهادات مزدوجة معترف بها دولياً بتكلفة لا تتجاوز فى أغلب الأحيان ثلث تكلفة الدراسة فى البلد الأصلي. هذا نموذج تنافسى استثنائى لم تستغله مصر تسويقياً بالقدر الكافي. وهو كنز مدفون ينتظر من يُخرجه إلى الضوء.
كما أن مصر ليست مجرد حرم جامعي؛ إنها حضارة. الطالب الذى يدرس فيها يعيش فى ظل الأهرامات ومتاحف تضم إرث 7 آلاف عام من تاريخ البشرية. وهذا البُعد الحضارى لا يمكن تصنيعه من العدم فى أى دولة منافسة. وهو أصل غير مادى لو أُحسن تسويقه يُغرى الطلاب من أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية بالمجيء إلى مصر لا للدراسة وحسب. بل للعيش تجربة فريدة لا تتكرر.
أما التكلفة. فهى السلاح الإستراتيجى الأكثر اهمالاً. إذا قارنا الرسوم الدراسية فى مصر بنظيراتها فى المملكة المتحدة أو أستراليا أو كندا. وجدنا أن التعليم المصرى يكلف ما بين خُمس وعُشر ما تكلفه تلك الوجهات. ومع الأخذ فى الاعتبار انخفاض تكاليف المعيشة نسبياً. فإن مصر تستطيع تقديم تعليم بمعايير دولية مقبولة بتكلفة يستطيع تحملها أبناء الطبقات الوسطى فى أفريقيا وآسيا. وهو القطاع الأسرع نمواً فى سوق التعليم الدولى اليوم.
الجدار المكسور.. والتحديات
إن ثمة عقبات حقيقية تعترض الطريق ينبغى الاعتراف بها والتصدى لها بصراحة الواثق من قدرته على التغيير .
التحدى الأول هو فجوة الجودة وتفاوتها الحاد. فبينما تتقدم جامعة القاهرة وعين شمس والإسكندرية فى التصنيفات الدولية. تعانى كثير من الجامعات الإقليمية من اكتظاظ واضح. وضعف فى المختبرات والمكتبات. وهيئة تدريس تفتقر فى بعض الحالات إلى التحديث المهنى والبحثي. والطالب الأجنبى الذى يُقدم على الدراسة فى مصر لن يكتفى بصورة جامعة القاهرة فى الدعاية؛ فهو سيعيش الواقع يومياً. وستكون تجربته هى الإعلان الحقيقى سلباً أو إيجاباً.
أما التحدى الثانى فهو إشكالية الاعتراف الدولى بالشهادات. ورغم وجود اتفاقيات ثنائية لمعادلة الشهادات مع عدد من الدول. تظل مسألة قبول الشهادة المصرية فى سوق العمل الدولى تحدياً يُحجم كثيراً من الطلاب. والطالب القادم من غانا أو أوكرانيا أو باكستان يحتاج إلى ضمانات واضحة بأن شهادته ستُفتح أمامه أبواباً فى بلاده أو فى دول ثالثة. وغياب هذا الضمان يجعل قرار السفر إلى مصر مجازفة.
يُضاف إلى ذلك الحاجز اللغوي؛ إذ تعنى الدراسة فى مصر فى الغالب الدراسة باللغة العربية للتخصصات الإنسانية والاجتماعية. أو بمزيج من العربية والإنجليزية فى التخصصات التطبيقيةـ وغياب برامج كاملة باللغة الإنجليزية أو الفرنسية لمرحلة البكالوريوس فى الجامعات الحكومية يُضيّق دائرة المستهدفين إلى نطاق العالم الناطق بالعربية فى معظمه. وهو ما يحول دون الوصول إلى الطلاب الأفارقة والآسيويين الذين يمثلون القطاع الأكبر والأسرع نمواً فى سوق الطلاب الدوليين.
ثم تأتى البيروقراطية وصعوبات الإجراءات لتُلقى بثقلها على المشهد. وتحكى قصص كثيرة عن طلاب أجانب واجهوا صعوبات فى تجديد إقامتهم. أو تأخيرات فى استخراج وثائق الالتحاق. أو تعقيدات فى تحويل المال من بلدانهم. وهذه العقبات الإجرائية التى تبدو هامشية من منظور البيروقراطى تمثل كسراً بالغاً من منظور الطالب الذى يبلغ عنها لأصدقائه عبر وسائل التواصل الاجتماعى قبل أن تجف أقلامه.
يُعمّق هذا كله غياب خدمات دعم الطلاب الأجانب بصورة مؤسسية حقيقية. وتفتقر معظم الجامعات المصرية إلى بنية متكاملة لاستيعاب الطلاب الدوليين: مكاتب متخصصة. وخدمات إرشاد نفسى ومهني. وسكن طلابى بمعايير معقولة. وأنشطة تكاملية تجمع الطلاب المحليين بإخوانهم الأجانب. والطالب الأجنبى حين يصل إلى حرم جامعى لا يجد فيه مستقبِلاً يتحدث لغته أو يفهم احتياجاته. سيعود من حيث أتي. وسيأخذ معه ألف طالب محتمل.
أخيراً. تبرز إشكالية غياب إستراتيجية التسويق التعليمى الدولي. مصر لا تعانى بالضرورة من صعوبة فى منافسة لندن أو سيدنى أكاديمياً فى شريحتها المستهدفة. وهى تعانى من غياب حضور تسويقى دولى ممنهج واحترافي. وهل يعرف طالب فى داكار أو لاغوس أو عمان أو جاكرتا أن بإمكانه الدراسة فى جامعة مصرية بشهادة مزدوجة معترف بها أوروبياً بتكلفة معقولة؟ هل ثمة مكاتب تمثيل تعليمى مصرى فاعلة فى تلك العواصم؟ الإجابة المحزنة فى معظم الأحيان: لا.
خارطة طريق للعمل
الانتقال من ستة وعشرين ألف طالب أجنبى إلى مئات الآلاف يستدعى خطة وطنية متكاملة متعددة المحاور. وليس حزمة إجراءات متفرقة تطير مع أول عاصفة. وأبرز ركائز هذه الخطة فى ترتيب يعكس الأولويات
أولاً: إصلاح الجودة من الداخل قبل التسويق للخارج. وما الفائدة من استقطاب ألف طالب أجنبى إذا كانت تجربته الميدانية ستردعه وترد عنا ألف سواه؟ لذلك يجب أن تسبق ورقة التسويق ورقة الجودة لا أن تتقدمها. والمطلوب تنفيذ اعتماد نظام وطنى لضمان جودة التعليم العالى يتوافق مع المعايير الأوروبية كشرط لاستقطاب الطلاب الأجانب وليس مجرد تحصيل حاصل. وإنشاء برنامج وطنى لتدريب أعضاء هيئة التدريس بالشراكة مع الجامعات الأوروبية والأمريكية المعتمدة. وتوجيه استثمارات حقيقية نحو البنية التحتية البحثية من مختبرات ومكتبات رقمية وقواعد بيانات أكاديمية دولية. والأهم من ذلك ربط التمويل الحكومى للجامعات بمعايير أداء موضوعية وشفافة تُنشر سنوياً دون مجاملة.
ثانياً: توسيع البرامج المُدرَّسة بلغات دولية. اللغة الإنجليزية والفرنسية بوابة الاستقطاب الفعلى لا يمكن الالتفاف حولها. ويستوجب هذا إطلاق برامج بكالوريوس كاملة باللغة الإنجليزية فى الجامعات الحكومية الكبرى فى التخصصات الأكثر طلباً دولياً كالطب والهندسة وعلوم الحاسب والأعمال الدولية. وتطوير برامج اللغة العربية للدارسين من غير الناطقين بها بوصفها تخصصاً مستقلاً مطلوباً دولياً يوجَّه نحو الطلاب من جنوب آسيا وأفريقيا وإندونيسيا وماليزيا.
ثالثاً: إستراتيجية تسويقية دولية احترافية. والمنافسون لا ينتظرون؛ ماليزيا وتركيا والمغرب كلها تخوض السباق ذاته بأدوات أكثر احترافية. ومصر تحتاج إلى إنشاء وكالة وطنية للتسويق التعليمى الدولى على غرار «Campus France» الفرنسية أو «Education Malaysia Global Services». تتولى التمثيل فى المعارض الدولية وإدارة منصة «ادرس فى مصر» وبناء شبكة من الوكلاء المعتمدين فى الدول المستهدفة. ويُضاف إلى ذلك استغلال شبكة السفارات والقنصليات المصرية استغلالاً تعليمياً فاعلاً. وبناء حضور رقمى قوى على منصات الشباب يستهدف الجيل الجديد فى إفريقيا وآسيا بمحتوى متعدد اللغات يعرض الحياة الجامعية والمناهج والفرص المتاحة بأسلوب جذاب ومعاصر.
رابعاً: تطوير خدمات الاستقبال والدعم المتكامل. والتجربة الكلية للطالب الأجنبى هى التى ستصنع السمعة إيجاباً أو سلباً. وهذا يستلزم إنشاء مكاتب الطلاب الدوليين فى كل جامعة تستهدف الاستقطاب. مزودة بكوادر متعددة اللغات وخدمات الإرشاد الأكاديمى والنفسى والقانوني. وتطوير منظومة السكن الطلابى بمشاركة القطاع الخاص. وإنشاء نافذة موحدة للطلاب الأجانب تُلغى البيروقراطية وتُحدد سقفاً زمنياً لكل معاملة لا يجوز تجاوزه.
خامساً: نظام منح وتحفيز مُستهدف. المنح الدراسية ليست تنازلاً عن العائد؛ هى استثمار فى البناء ورأس المال الرمزي. الطالب الذى يحظى بمنحة يصبح سفيراً مدى الحياة. توسيع مبادرة EGYAID لتشمل ما لا يقل عن عشرة آلاف منحة سنوية موزعة بصورة مدروسة على دول مستهدفة ذات ثقل ديموغرافى وتأثير إستراتيجى مع التركيز على أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى هو خطوة لا بديل عنها. ويمكن الاستعانة بنموذج المنحة التدريجية حيث يتلقى الطالب منحة جزئية تتصاعد بمعدل تحصيله الأكاديمي. مما يُحفز التميز ويُوزع العبء المالى على الدولة بعدالة.
سادساً: إطار تشريعى وحوكمى مُحكم. ولا يستقيم أى نمو مؤسسى بدون بيئة تشريعية حاضنة. والمطلوب إصدار لائحة الطلاب الأجانب الموحدة التى تحدد حقوقهم وواجباتهم وآليات تظلمهم بشفافية كاملة. ووضع حوافز ضريبية ومالية للجامعات التى ترتفع فيها نسبة الطلاب الأجانب عن عتبة معينة من إجمالى المقيدين. وتعزيز الإطار القانونى للاعتراف المتبادل بالشهادات مع الدول المستهدفة من خلال اتفاقيات ثنائية وإقليمية تُبنى بجدية .
رهانان إستراتيجيان
الرهان الأول إفريقيا: إفريقيا تضم اليوم أكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة. وبحلول عام 2050 سيكون أكثر من نصف سكان العالم الشباب إفريقيين. والطلب على التعليم العالى الجيد والميسور التكلفة فى هذه القارة يتجاوز بمراحل ما تستطيع الجامعات الغربية استيعابه. فمصر. بموقعها الجغرافى وتاريخها القارى وتكلفتها المنافسة. مؤهلة لتكون وجهة تعليمية أفريقية من الدرجة الأولي. ما يلزم هنا حلف إستراتيجى مع الاتحاد الإفريقي. وإنشاء «برنامج مصر-أفريقيا للتعليم» ضمن منظومة العمل القارى المشترك. وتأسيس شراكات مزدوجة مع جامعات القارة تُتيح للطلاب الأفارقة قضاء جزء من دراستهم فى مصر.
الرهان الثانى الأزهر والدراسات الإسلامية: فالأزهر الشريف هو التاج الذى لا تملكه أى دولة فى العالم؛ إذ يُكنّ له أكثر من مليار ونصف مليار مسلم احتراماً وانتماءً يفوق الحسابات السياسية. تطوير برامج الأزهر الدولية وتوسيع استيعابه لطلاب الدراسات الإسلامية من إندونيسيا وماليزيا وغرب إفريقيا وآسيا الوسطي. بتيسير الإجراءات وتحديث المناهج وتوظيف التقنيات الرقمية الحديثة فى التدريس. يمكن أن يحوّل الأزهر وحده إلى مركز استقطاب دولى يجذب عشرات الآلاف سنوياً دون أن يتنافس مع أحد لأنه ببساطة لا منافس له.
من يقيس ومن يُحاسب؟
لا تسير خطة وطنية على جادة الصواب بدون مؤشرات أداء واضحة وهيكل مساءلة فاعل. المطلوب تحديد أهداف رقمية مرحلية معلنة للوصول إلى ثمانين ألف طالب أجنبى بحلول عام 2027، ومائة وخمسين ألفاً بحلول عام 2028. ومئاتى ألف بحلول عام 2030. وينبغى ربط هذه الأهداف بآليات تقييم سنوية شفافة تُنشر نتائجها على الرأى العام. وإسناد الإشراف على التنفيذ إلى هيئة وطنية مستقلة تضم الجامعات والوزارات المعنية والقطاع الخاص وممثلين عن الطلاب الأجانب أنفسهم.
المساءلة ليست ترفاً إدارياً؛ هى ضمانة للنجاح.
مصر فى مواجهة
ليس هدف هذا التقرير الإطراء ولا التشاؤم. بل الدفع نحو قرار مؤسسى حاسم. مصر تملك كل مقومات أن تكون وجهة تعليمية عالمية من الطراز الأول فى محيطها الإقليمى والقاري. تاريخها الأكاديمى العريق. وموقعها الجغرافى الفريد. وتنوع مؤسساتها التعليمية. وانخفاض تكاليفها النسبية. وإرثها الحضارى الذى لا يُضاهي. كل هذه أصول إستراتيجية لم تُوظَّف بعد فى سوق يبحث عمّن يوظفها ويُحسن الترويج لها.









