من غير المقبول تحميل منصات التواصل الالكترونية المسئولية وحدها عن تراجع بعض المفاهيم والقيم المجتمعية النبيلة والفضيلة لدى البعض من أطفالنا وليس شبابنا فقط.. حيث ان هذه المنصات لوسائل التواصل الاجتماعى لا تصنع المواطن من فراغ وإنما تتعامل مع عقول تشكلت ملامحها داخل الأسرة وتفتحت مداركها بالمدرسة وصولاً للجامعة وتكونت وجدانها بدور العبادة وتأثرت بما يقدمه الإعلام والثقافة.
وينبغى ان نتوقف كثيرًا بالتحليل والتحذير أمام رقم مذهل كشفت عنه أحدث نتائج الدراسات التى أجراها المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية ومضمونها ان لدينا نحو ما يقرب من 20 مليون طفل من بين 40 مليونًا من ذويهم يستخدمون هذه المنصات الإلكترونية للتواصل.
وتبين من الدراسة ان بداية استخدام الأطفال لمواقع التواصل الاجتماعى تتركز غالبًا بالفئة العمرية ما بين 9 و11 عامًا.. غير ان عدد من الآباء كشفوا عن وجود أطفال من سن الثالثة يتعاملون مع الشاشات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي!!
وهذا الأمر يثير بكل تأكيد القلق نظرًا لان وجدان الطفل وشخصيته يبدأ فى التشكيل منذ السنوات الأولى من اعمارهم التى تركها البعض من الآباء للعالم الرقمى عن طواعية لانشغالهم عن ابنائهم فى العمل لاهداف متعددة.. فى حين ان بناء الوعى الرقمى مسئولية مشتركة بين أفراد المجتمع والمؤسسات ذات الصلة بكافة المجالات حيث يعد الوعى الرقمى خط الدفاع الأول وحائط الصد ضد كل ما يخالف اعرافنا وتقاليدنا وديننا ويحول بين انسياق المواطن وراء الشائعات والاكاذيب المضللة التى تستهدف هدم المجتمعات.
من المؤكد انه حين يغيب الحوار داخل المنزل يبحث الأطفال عن اجاباتهم فى الفضاء الإلكترونى المفتوح على الملأ وهم فى هذا السن المبكر الخالى من الخبرات فيندفعون نحوه دون تمييز بين النافع والضار ولا بين العالم الحقيقى والوهمى.
ولا يمكن اغفال ان السوشيال ميديا تشبه فى تأثيرها وسائل الإعلام التقليدية التى لها دور فى التثقيف والتعليم إلى جانب الترفيه ولكن الفارق ان مواقع التواصل الإلكترونية تعتمد بصورة واضحة على طبيعة استخدام المواطن لها حيث انه كلما اتجه المستخدم للمحتوى المفيد زادت إيجابياتها وكلما انجذب للمحتوى غير المنضبط زادت آثارها السلبية لاسيما وان هذه المواقع لا تخضع للرقابة وهو ما يزيد من احتمالات تعرض الأطفال لمحتوى غير مناسب.
ولا يمكن انكار ان الكثير من وسائل التواصل الاجتماعى تحولت إلى بيئة خصبة لانتشار التنمر الإلكترونى والذى يأخذ صورًا متنوعة بداية من السخرية من الآخرين أو بكتابة التعليقات المسيئة مع إدراك ان التنمر الإلكترونى يختلف عن التنمر التقليدى فى انه لا يقتصر على مكان أو وقت محدد بل قد يستمر خارج المدرسة ويصل إلى عدد كبير من الأشخاص فى وقت قصير مما يزيد من اثاره النفسية على الطفل.
ومن الاهمية تنمية الوعى الرقمى لدى أطفالنا من خلال تعليمهم الاستخدام الآمن والمسئول للانترنت وتوضيح انه ليس كل ما يتم نشره على مواقع المنصات الإلكترونية مناسب ويستحق التقليد مع مراعاة تحديد اوقات مناسبة لاستخدام الشاشات إلى جانب متابعة الوالدين للمحتوى الذى يشاهده الطفل وإجراء حوار مستمر معه حول ما يتابعه وتعليمه احترام خصوصية الآخرين وعدم الاساءة للآخرين عبر الإنترنت.
وينبغى إدراك ان وجود الوالدين فى حياة الابناء لا يقاس بعدد ساعات الجلوس معهم بقدر قدراتهم على بناء الثقة لديهم والاستماع لهم ومناقشتهم وغرس القيم النبيلة بنفوسهم والتى تتيح لهم القدرة على اتخاذ القرار الصحيح.









