لن ننتصر لقضايانا إلا إذا كان العلم هو سلمنا الأول والأهم ولن ننتصر على إسرائيل وتوقف مخططاتها سواء فى زمن السلم أو الحرب وسواء فى حربها من خلال آخرين أو حربها مباشرة إلا إذا عرفنا إسرائيل هذه معرفة كاملة نستطيع من خلالها قراءة منهجها التفكيرى قراءة واضحة لا لبس فيه مثلما تم قبيل نصرنا فى أكتوبر.
أما الاستسهال الذى نعيشه فى كل أمورنا فى أمتنا العربية فلن يشدنا إلا إلى الخلف ولن يحقق لنا الامانى السهلة التى لا نبذل من خلالها العرق.
هذه مقدمة أردت أن أبدأ بها وأنا أقدم قراءة لكتاب الجذور الدينية للصراع السياسى فى إسرائيل للراحلة للدكتورة هدى درويش التى قضت حياتها باحثة فى العقيدة اليهودية وفى الفكر الإسرائيلى بصفة عامة.
الكتاب يعيد تذكيرنا مرة أخرى بعد آلاف المرات التى ذكرنا بها باحثون كبار فى قامة الدكتورة هدى بأن الصراع بيننا وبين إسرائيل صراع عقدى فى الأساس والأصل. وأننا لن نحقق أهدافنا إلا إذا تعاملنا معه من هذا المنطلق فالصهاينة يلجأون إلى نصوص التوراة ليؤكدوا لشبابهم أن العدوان على الغير وأراضيهم أمر مشروع والإله «يهوه» خاص باليهود هو «رب الجنود» كما يسمونه وهو المحارب نيابة عنهم ضد الاعداء وايضا المسئول عن نصرة شعبه الذى اختاره دون سائر الشعوب حيث وصفوا حروبهم بأنها «حروب الإله» وحصلوا على هذا الامتياز من خلال أسفار العهد القديم التى تقر بشرعية الحرب والقتال والتى تساعدهم على البقاء فى مواجهة الضياع.
فإذا قال لهم العهد القديم إن المسيح عليه السلام هو من سيقود المؤمنين إلى القدس قالوا إن المسيح لن يعود إلا إذا مهدنا له الأرض وساعدناه على ذلك أى أنهم يلتفون حتى حول نصوص التوراة التى لا تتمشى مع أفعالهم.
الكتاب يتتبع الفكر الصوفى اليهودى الذى أسس للمنهج العدوانى أولّ كل ما خالف الهدف الصهيونى فى خمسة فصول وهى القبالاة وأثرها على الهوية الدينية وعقيدة الأرض ونزعة التصوف الاستيطانى. ورمزية الحروف والنبوءات السياسية المعاصرة. والتهجير والخلفية الايديولوجية للإقصاء. والحرب العادلة ومبررات الصراع ضد الآخر.
تنتهى الباحثة فى تتبعها «للقبالاة» وهى التصوف اليهودى إلى أن كل الأزمنة والعصور ترتدى فيها المشروعات السياسية الكبرى مسوحاً دينية لتبرير ممارسات أبعد ما تكون عن الدين. كما أن الكيان الإسرائيلى يعد من أبرز الكيانات السياسية التى تركن إلى آلية ربط العقيدة الدينية بالواقع السياسى وتوظيفها لخدمة أهدافه كما أن التيار الصوفى فى إسرائيل «القبالاة» هو صاحب الترويج لفكرة الأرض الموعودة ومملكة إسرائيل الابدية خدمة للمصالح الصهيونية العالمية.
كما تبرر الصوفية اليهودية الاعتداء على غير اليهود وتعتبر ذلك حرباً عادلة وأنها أوامر إلهية دفاعاً عن الشعب الذى اختاره من بين شعوب الأرض.
إن الكتاب الذى جاء فى أكثر من 300 صفحة من القطع الكبير يمثل صرخة للمعرفة التى لا يجوز إهمالها ونحن نتعامل مع عدو يحاربنا بالعلم ويكرس لحربه بين أبنائه بعاطفة الدين وهو ما يفسر منظر الجنود الصهاينة التى نقلها الإعلام وهم يقرءون التوراة فى طريقهم للهجوم على غزة فيما عرف بالرصاص المصبوب لأنهم ذاهبون من وجه نظرهم إلى الحرب المقدسة نيابة عن الله.









