كنا نجلس على المقهى كعادتنا كل يوم عقب صلاة العشاء . فنجان القهوة أمامى، والهاتف فى يد صديقى، وفجأة انفجر ضاحكا.قلت له: خير يا عمنا .. قال وهو يناولنى الهاتف: لا.. لكن يبدو أننى اكتشفت أننى فقير بالصدفة.
نظرت إلى الشاشة، فوجدت شابا يتحدث بحماس عن إجازته الصيفية، ويشرح لمتابعيه أن دخول الشاطئ الذى يقضى فيه يومه يقترب من ثلاثة آلاف دولار.
أعدت الهاتف إلى صاحبه وقلت: هو رايح البحر ولا رايح يشترى البحر؟ ضحك صديقى، ثم قال: استنى.. ده لسه أول الفيديو.
بالفعل كان أول الفيديو أرحم من آخره. بعد الشاطئ جاءت وجبة الغداء، ثم سعرها، ثم الفندق، ثم الجناح، ثم السيارة التى أوصلته، وكأن الرجل حصل على عقد دعاية مع ماكينة الدفع الإلكترونى.
قلت لصديقى: الغريب أنه لم يحدثنا عن لون البحر.
رد وهو يبتسم: لأن لون الفاتورة أهم.
لا أحد ينزعج لأن شخصاً سافر أو استمتع بإجازته. بالعكس، الناس تفرح بمن ينجح ويتعب ويحقق ما يريد. لكن لماذا تحوَّل بعض صناع المحتوى إلى أمناء خزائن؟ لماذا أصبح أول سؤال بعد كل صورة هو: كم دفعت؟
أكملت تقليب الفيديوهات، فوجدت شابة تعلن بكل ثقة أنها لا ترتدى ملابس البحر نفسها مرتين.
قلت لصديقى: ممتاز.. بقى أن تخبرنا أيضاً أن الشمس تشرق مرة واحدة كل صباح.ضحك، ثم قال: لا تستعجل.. ربما تنشر ذلك غداً.
الحقيقة أننى بدأت أشعر بأن بعض الناس لا يسافر ليستمتع، وإنما يسافر ليقدم كشف حساب للمتابعين. كلما ارتفع الرقم، ارتفع الصوت. وكلما زادت الفاتورة، زادت الابتسامة أمام الكاميرا.
الغريب أننى أعرف رجال أعمال يملكون أضعاف ما يعرض على هذه الصفحات، ولا تعرف أين يقضون إجازاتهم. يسافرون ويعودون فى هدوء، لأنهم يعتبرون الخصوصية نوعا من الرقى. بينما هناك من لا يملك سوى الرغبة فى لفت الانتباه، فيحول كل لقمة إلى محتوى، وكل فاتورة إلى بطولة.
قلت لصديقى: يبدو أن البحر لم يعد هو المقصود.
سألنى: أومال إيه؟
قلت: المقصود أن تشعر أنت بأنك لم تذهب، ولم تأكل، ولم تعش.
هز رأسه وقال: يعنى المشكلة ليست فى الفلوس؟
قلت: أبداً.. المشكلة فى الاستفزاز.
ليس عيباً أن تكون غنياً، ولا أن تنزل أفخم الفنادق، ولا أن تأكل فى أغلى المطاعم. العيب أن تتعامل مع النعمة وكأنها وسيلة لقياس قيمة الناس. فالذى يشاهدك قد يكون موظفاً ينتظر راتبه، أو أباً يؤجل شراء احتياجات بيته، أو أما تحاول أن توفر مصروف المدرسة لأولادها. هؤلاء لا يحسدونك، لكنهم يتمنون فقط ألا تذكرهم كل دقيقة بالفارق بين حياتك وحياتهم.
المؤسف أن بعض صناع المحتوى اكتشفوا أن الاستفزاز يحقق أرقاماً أعلى من الاحترام. لذلك لم يعد يكفى أن يشرب فنجان قهوة، بل لا بد أن يخبرنا بأن ثمنه يعادل فاتورة كهرباء أسرة كاملة. ولم يعد يكفى أن يحجز غرفة، بل لا بد أن يكرر سعرها أكثر من مرة، حتى يتأكد أن الرسالة وصلت.
وضعت هاتفى على الطاولة وقلت لصديقى: تعرف أكثر جملة ضحكتنى؟
قال: أى واحدة؟
قلت: عندما يقول أحدهم «أنا أشارككم يومياتى بكل بساطة».









