عندما تتحول المشاهدات إلى مقياس للقيم..ويدفع المجتمع الثمن لم يعد «التريند» مجرد مؤشر على انتشار خبر أو نجاح محتوى، بل أصبح لدى البعض عقيدة تُعبد، ومقياسًا وحيدًا للنجاح، ولو كان الطريق إليه مليئًا بالكذب، والابتذال، وانتهاك الخصوصية، وتحطيم القيم التى قام عليها المجتمع. أصبحنا نعيش فى زمن لا تُقاس فيه قيمة الفكرة بما تضيفه للعقول، وإنما بعدد المشاهدات التى تحققها، ولا بمدى نفعها للناس، وإنما بقدرتها على إثارة الجدل. وهنا تبدأ المأساة. يكفى أن تفتح أى منصة من منصات التواصل الاجتماعى حتى تشعر وكأنك تغوص فى مستنقع من التفاهة. تجد أشخاصًا يطلقون على أنفسهم لقب «بلوجر» أو «إنفلونسر»، بينما لا يقدم كثير منهم سوى محتوى قائم على الإثارة المصطنعة، والجدل المفتعل، واستعراض الحياة الخاصة وكأنها سلعة تُباع وتُشتري. اليوم زواج من أجل التريند… وغدًا طلاق من أجل التريند… وبعد أيام عودة من أجل التريند… وكأن الأسرة فقدت قدسيتها، وأصبحت العلاقة الزوجية مجرد حلقات متتابعة فى مسلسل هدفه الوحيد زيادة عدد المتابعين، وتحقيق أرباح أكبر من الإعلانات والمشاهدات. ولم يسلم الأطفال من هذه التجارة الجديدة. فكما كان بعض المتسولين قديمًا يستغلون الأطفال لاستدرار عطف الناس، أصبح البعض اليوم يستغل أبناءه لاستدرار المشاهدات والأرباح. تُوثق كل لحظة من حياتهم، وتُنشر أسرار طفولتهم، وتتحول براءتهم إلى وسيلة لتحقيق الدخل، بينما يُحرمون من أبسط حقوقهم، وهو حقهم فى الخصوصية. المؤسف أن هذه العدوى لم تتوقف عند صناع المحتوى، بل امتدت فى بعض الأحيان إلى وسائل الإعلام نفسها. فبدلًا من أن يكون الإعلام منارة للوعى، أصبح جزء منه أسيرًا لمنطق التريند، يلهث خلف كل ما يثير الجدل، ولو كان خاليًا من أى قيمة. كم من خبر مهم يخص الاقتصاد أو التعليم أو الصحة أو التشريع يمر مرور الكرام، بينما تتصدر الشاشات أخبار لا تقدم للمجتمع سوى الضجيج، ولعل ما نشهده عقب البطولات الرياضية خير مثال على ذلك. فبدلًا من تحليل الأداء الفنى، ومناقشة أسباب الفوز أو الإخفاق، واستخلاص الدروس من المنافسات الكبرى، تتحول اللقاءات إلى أسئلة لا تمت للرياضة بصلة: «من رقم واحد فى حياتك… والدتك أم زوجتك؟»، ثم تُفتح الأبواب لاستضافة زوجات اللاعبين وأمهاتهم، وكأنهن جزء من الحدث الرياضى، بينما القضية الأساسية تُترك جانبًا، لأن الإثارة أصبحت أهم من المعلومة. إن المشكلة ليست فى التريند ذاته، فالانتشار ليس جريمة، والوصول إلى الجمهور حق مشروع. لكن الكارثة تبدأ عندما يصبح التريند هدفًا يبرر كل الوسائل، وعندما تتحول القيم إلى ضحية فى سباق المشاهدات. فكم من إنسان تعرض للتشهير من أجل عنوان مثير، وكم من أسرة هُدمت بسبب بث خلافاتها على الهواء، وكم من طفل فقد خصوصيته لأنه أصبح مشروعًا استثماريًا لوالديه،إن المجتمعات لاتنهض بالضجيج، ولا تبنى بالمحتوى الهابط، ولا تُقاس حضارتها بعدد المشاهدات، وإنما بما تنتجه من علم وفكر وثقافة وقيم. أما التريند فهو عابر، قد يعيش ساعات أو أيامًا، ثم يختفى كما ظهر، بينما يبقى أثر الكلمة، ويبقى أثر الموقف، ويبقى أثر المسؤولية،إن أخطر ما فى لعنة التريند أنها لا تقتل الحقيقة دفعة واحدة، بل تقتلها ببطء، حتى يصبح الاستثناء هو المحتوى الجاد، وتصبح التفاهة هى القاعدة. وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، فإن الخسارة لا تكون خسارة فرد أو مؤسسة، بل خسارة وعى أمة بأكملها.









