فى ذكرى مرور 74 عامًا على ثورة 23 يوليو، يبقى الحديث عن هذا الحدث الضخم وانعكاساته على مختلف مناحى الحياة بالمجتمع المصرى مادة خصبة للعمل الصحفى والبحث العلمى على حد سواء.
وتبقى الصداقة القوية التى جمعت بين الرئيس جمال عبدالناصر والبابا كيرلس السادس واحدة من أهم صفحات ثورة 23 يوليو التى يتوقف أمامها المؤرخون طويلًا، حيث مثلت واحدة من ركائز الاستقرار والسلام الاجتماعى الذى حرصت عليه ثورة يوليو، وكانت «محبة الوطن» هى «كلمة السر» فى تميز العلاقة بينهما لتصل إلى صداقة عميقة وقصة «مُلهمة» لتراث الوحدة والمحبة التى تجمع بين المصريين.
< يقف الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل شاهدًا وثيق الصلة بما جرى، حيث كان واحدًا من أهم من شاركوا فى تلك المرحلة بحكم عمله الصحفى والسياسى واقترابه من دوائر صنع القرار.
فى الجزء الرابع من كتابه «خريف الغضب» يصف هيكل الصداقة التى جمعت بين الرئيس والبابا بقوله: «كانت العلاقات بين جمال عبدالناصر والبابا كيرلس السادس علاقات ممتازة، وكان بينهما إعجاب متبادل. وكان معروفًا أن البطريرك يستطيع مقابلة عبدالناصر فى أى وقت يشاء».
بناء الكنائس
ويضيف: وكان كيرلس حريصًا على تجنب المشاكل، وقد استفاد كثيرًا فى علاقته بعبدالناصر فى حل مشاكل عديدة، ومن بين هذه المشاكل كانت هناك المشكلة الحساسة وهى بناء الكنائس الجديدة. كان بناء الكنائس الجديدة لا يزال محكومًا بما يُسمى بـ «الخط الهمايونى الصادر عن البابا العالى بتحديد إنشاء دور العبادة لأهل الذمة فى مصر». كان هذا الخط الهمايونى يضع قيودًا على بناء الكنائس الجديدة، ويسمح لها بشروط استقر أمرها فى النهاية فى يد وزارة الداخلية. وبالطبع فقد كانت هناك محاولات كثيرة من جانب أقباط مصر لتفادى أحكام هذه اللوائح بكل الطرق. كانت المشكلة حساسة، فمبدأ حرية العقيدة كان لابد أن يكون للأقباط حق بناء الكنائس بدون قيود الخط الهمايونى، ولكن كان من ناحية أخرى فإن مجرد وجود هذا الخط الهمايونى وما يترتب عليه من تقاليد – وربما من رواسب – فإن الأمر لم يكن سهلًا إلى هذا الحد.
ويقول: ولقد تحدثت فى القضية مع جمال عبدالناصر الذى أبدى تفهمًا، وسأل البطريرك عن عدد الكنائس الجديدة التى يرى من المناسب بناؤها سنويًا، وكان رد البطريرك: «ما بين عشرين وثلاثين». وكان رد عبدالناصر أنه يوافق على اقتراح البطريرك بأن يكون عدد الكنائس الجديدة سنويًا خمسًا وعشرين كنيسة، وأن يكون التصريح بها بتوجيه من البطريرك نفسه إلى الجهات الرسمية.
كاتدرائية جديدة
< ويتذكر هيكل بداية التفكير فى بناء الكاتدرائية المرقسية بالعباسية بقوله: وكانت هناك مشكلة أخرى واجهت البطريرك كيرلس السادس، فقد كان تواقًا إلى بناء كاتدرائية جديدة تليق بمكانة الكنيسة القبطية. كان بناء كاتدرائية جديدة مشروعًا محببًا إلى قلب البطريرك، لكنه لم يكن يريد أن يلجأ إلى موارد من خارج مصر يبنى بها الكاتدرائية الجديدة. وفى نفس الوقت فإن موارد التبرعات المحتملة من داخل مصر كانت قليلة لأن القرارات الاشتراكية أثرت على أغنياء الاقباط – كما أثرت على أغنياء المسلمين – ممن كانوا فى العادة قادرين على إعانة الكنيسة بتبرعاتهم، إلى جانب أن المهاجرين الأقباط الجدد لم يكونوا فى موقف يسمح لهم بمد يد المساعدة السخية، ثم أن أوقاف الأديرة القبطية أثرت فيها أيضًا قوانين إلغاء الأوقاف، وهكذا وجد البطريرك نفسه فى مأزق، ولم ير مناسباً أن يفاتح جمال عبدالناصر مباشرة فى مسألة بناء الكاتدرائية، فلقد تصور فى الموضوع أسبابًا للحرج، وهكذا فقد تلقيت شخصياً دعوة من البطريرك لزيارته، وذهبت فعلاً بصحبة الأنبا صموئيل الذى كان أسقفًا بدار البطريركية.
وفى هذا اللقاء حدثنى البطريرك عن المشكلة، وأظهر تحرجه من مفاتحة جمال عبدالناصر مباشرة فى الأمر حتى لا يكون سبباً فى إثارة أية حساسيات.. ثم سألنى ما إذا كنت استطيع مفاتحة الرئيس فى الموضوع دون حرج للبطريرك ولا حرج للرئيس نفسه.
وعندما تحدثت مع الرئيس عبدالناصر فى هذا الموضوع كان تفهمه كاملاً، كان يرى أهمية وحقوق أقباط مصر فى التركيب الإنسانى والاجتماعى لشعبها الواحد، ثم أنه كان يدرك المركز الممتاز للكنيسة القبطية ودورها الأساسى فى التاريخ المصري، ثم أنه كان كذلك واعيًا بمحاولات الاستقطاب التى نشط لها مجلس الكنائس العالمى، وهكذا فإنه قرر على الفور أن تُساهم الدولة بنصف مليون جنيه فى بناء الكاتدرائية الجديدة، نصفها يُدفع نقدًا، ونصفها الآخر يُقدم عينًا بواسطة شركات المقاولات التابعة للقطاع العام والتى يمكن أن يعهد إليها بعملية البناء..
وطلب إلىَّ الرئيس إبلاع البطريرك بقراره، وكان الرجل شديد السعادة عندما قمت بإبلاغه إلى درجة أنه طلب إلى إثنين من الأساقفة أحدهما الأنبا صموئيل أن يُقيما قداس بركات فى بيتى. وكان بالغ الرقة حين قال: «إن بركات الرب تشمل الكل.. أقباطًا ومسلمين» وتم بناء الكاتدرائية، وحضر جمال عبدالناصر حفل افتتاحها.
< استغرق بناء الكاتدرائية 3 سنوات، وافتتحها الرئيس جمال عبدالناصر يوم 25 يونيه 1968 فى احتفال كبير حضره الامبراطور هيلاسلاسى امبراطور الحبشة وقتها وكبار المسئولين فى مشهد وطنى مبهر لن تنساه مصر.
>>>
< وإلى جانب الكاتدرائية الجديدة، كان البابا يتوق إلى إعادة إحياء دير مارمينا، وما لا يعلمه الكثيرون أن المصروف الشخصى لأولاد الرئيس عبدالناصر كان هو أول مبلغ يتم جمعه من التبرعات لتشييد هذا الدير الموجود حاليا فى منطقة «برج العرب» بالإسكندرية.
ففى أحد الأيام زار البابا كيرلس الرئيس عبدالناصر فى منزله، وجاء الأولاد وكل منهم يحمل حصالته، ووقفوا أمام البابا، فقال الرئيس عبدالناصر: «أنا علمت أولادى وفهمتهم إن اللى يتبرع لكنيسة زى اللى يتبرع لجامع، والأولاد لما عرفوا إنك بتبنى كاتدرائية صمموا على المساهمة فيها، وقالوا «حنحوش قرشين»، ولما ييجى البابا كيرلس حنقدمهم له، وأرجو لا تكسفهم وخذ منهم تبرعاتهم».
فأخرج البابا كيرلس منديله ووضعه على «حجره»، ووضع أولاد عبدالناصر تبرعاتهم، ثم لفها وشكرهم وباركهم، ويشاء القدر أن يكون مجموع مبلغ تبرعات أولاد عبدالناصر هو ثمـن مقـدم أرض دير مارمينا بمريوط.
>>>
< ومما يُذكر أيضًا أن الرئيس قرر تقديم مبلغ 10 آلاف جنيه لمساعدة البطريركية فى سداد مرتبات الموظفين التى توقفت لعدة شهور، بسبب العجز المالى الذى عانت منه على خلفية المشاكل التى وقعت بين أعضاء المجلس الملى فى الإشراف على الأوقاف القبطية مما أثر على ميزانية البطريركية وأحدث بها عجزا كبيرا.
وتذكر المصادر أن الرئيس عبدالناصر استقبل البابا كيرلس وعدد من الأساقفة الذين عرضوا عليه مشاكل ايبارشياتهم، فوعد بحلها على الفور، وكان كلما هم البابا بالقيام، كان عبدالناصر يقول له ضاحكًا: «ميعاد الزيارة لم ينته» .
>>>
رحل عبدالناصر فى 28 سبتمبر 1970 وبكاه البابا كيرلس بشده، ورحل البابا كيرلس فى 9 مارس 1971، وقالت إذاعة «صوت أمريكا»: «لقد توفى الصديق الوفى لعبدالناصر».
ورغم مرور أكثر من خمسين عامًا على رحيل طرفى القصة، تبقى «السيرة أطول من العمر»، وتظل مفردات الصداقة التى جمعت بين عبدالناصر والبابا كيرلس واحدة من أهم صفحات التاريخ الشعبى لثورة 23 يوليو 1952.









