عندما صدر كتاب «الحب وسنينه» للعظيم أحمد رجب، سمحت لنفسى بأن أستعير روح العنوان فى كتاب آخر، لموضوع آخر، حمل عنوان «التعليم وسنينه». كانت السخرية والفكاهة هما المكوّن الأساسى فى كتاب «الحب وسنينه»، الذى تناول العلاقات العاطفية والحب والزواج بأسلوب أحمد رجب العبقري، لكن كتابى «التعليم وسنينه» كان خاليًا من الفكاهة والدعابة، ومزدحمًا بالكآبة والأسئلة شديدة التعقيد حول التعليم وسنينه.
اليوم، وبعد كل هذه السنوات التى قاربت العشرين، أعود لأسمح لنفسى مجددًا بالاقتباس من عنوان كتابى «التعليم وسنينه»، وأصك عنوانًا جديدًا لكتاب جديد، أبدأ فكرته بهذا المقال: «الفساد وسنينه».
بالأمس كتبت هنا عن الرسائل السبع التى أرسلها الرئيس عبر خطاباته المتعددة منذ عام 2014 وحتى أول أمس. ووفقًا لمؤشر مدركات الفساد، حصلت مصر على 30درجة من 100، وجاءت فى المرتبة 130 من بين 182 دولة، من دون تغير فى درجتها عن العام السابق، مع التأكيد أن المؤشر يقيس الفساد المتصوَّر، وليس القيمة المالية المباشرة للفساد.
وتأتى صور الفساد فى مصر عديدة ومتنوعة ومبتكرة، ولا توجد أرقام حقيقية لحجم الفساد وتكلفته فى مصر، لكن يمكن رصد بعض الصور، التى تبدأ بالرشوة، والاختلاس، والتربح، واستغلال النفوذ والسلطة، والمحسوبية، والواسطة، والمحاباة، وتضارب المصالح، والكسب غير المشروع، وتضخم الثروة، والتزوير، والتلاعب بالمستندات، والفساد الضريبى والجمركى، والتلاعب بالدعم والخدمات الحكومية، وغسل الأموال.
وهناك أشكال من الفساد، كسرقة التيار الكهربائى، والحصول على دعم غير مستحق، ومحاولات الغش الجماعى، أو اللجان المخصوصة التى كانت منتشرة فى أزمنة فاتت، وصولًا إلى السير عكس الاتجاه.
وتصل صور الفساد إلى أخطر أنواعه، وهو إزاحة الكفاءات بعيدًا عن مقاعد السلطة خوفًا من قوتهم، والحفاظ على المنصب دون وجود بديل. إن اختيار الأضعف والأسوأ لشغل المناصب العامة هو قمة الفساد الذى يصل إلى درجة الخيانة.
وهناك فساد أشد، وهو بيع المناصب أو شراء الكراسي. وهذا الشكل من الفساد موجود فى السرديات والروايات والتصورات، حتى ولو لم يكن موجودًا فى التقارير الرسمية، أو حتى لو لم يكن حقيقيًّا من الأساس، إلا أن وجوده فى حكايات الناس يبقى هو الأهم.
وهناك شكل آخر من الفساد، وهو حماية مَن اختار لمَن اختير، دفاعًا عن اختياره فقط، وليس دفاعًا عن الشخص الفاشل، وبصرف النظر عن الصالح العام.
وهناك نوع آخر من الفساد أراه أخطر أنواع الفساد غير المالي، وهو اغتيال وتشويه وتخوين كل مَن يشير إلى فساد ما فى جهة ما.
لقد حذر الرئيس من الفساد فى أكثر من مناسبة، وآخرها فى الاحتفال بذكرى يوليو: «مواجهة الفساد بكل صوره» وهذا يعنى أننا أمام حرب جديدة وشاملة على الفساد ، فى تقديرى ومقترحى أن يعلن الرئيس عن مبادرة رئاسية للقضاء على الفساد مثلما فعل فى مبادرة القضاء على فيروس سى ، فالفساد أخطر من كل تلك الأمراض ، على ان تبدأ المعركة بتفعيل المبدأ القانونى «من أين لك هذا» مع تعديل الصياغة لتكون «من أين لك كل هذا ؟»
حمى الله مصر، وحفظ رئيسها، ووفقه، اللهم، فى تطهير البلاد من الفسدة والمجرمين وأعوانهم وحماتهم.









