تخوض الدولة المصرية على مدار تاريخها المعاصر، ولاسيما فى العقد الأخير، معركة مصيرية لا تقل شراسة عن معارك السلاح، وهى معركة الوعى وبقاء الكيان. إن قراءة المشهد الإقليمى المضطرب من حولنا تكشف بوضوح عن هشاشة بعض الكيانات السياسية التى كانت إلى عهد قريب تملأ الدنيا صخباً، وكيف تحولت بين عشية وضحاها إلى رماد، لتصبح دولاً فاشلة تعانى الفوضى والنزاعات المسلحة والتقسيم. من هنا يبرز الدور المصرى التاريخى والاستثنائى كطوق نجاة ليس فقط للمصريين، بل للاستقرار فى منطقة الشرق الأوسط برمتها، وهو ما يستوجب وعياً شعبياً عميقاً بهذه التضحيات والأدوار لحماية الوطن من مصير الدول المجاورة.
تتميز مصر بكونها واحدة من أقدم الدول المركزية الموحدة فى التاريخ البشري، إذ نشأت مؤسساتها الوطنية وتجذر الانتماء لأرضها منذ آلاف السنين، وهو ما منحها مناعة حضارية فريدة ضد محاولات التفتيت. على عكس العديد من الدول الحديثة فى المنطقة التى أُسست على حدود مصنوعة استعمارياً ولم تترسخ فيها مفاهيم الدولة الوطنية بشكل عميق، فإن مصر تمتلك جيشاً وطنياً راسخاً ومؤسسات عريقة تلاحمت مع الشعب فى أشد الأزمات.
حين سقطت دول مجاورة فى أتون ما أُطلق عليه «الربيع العربي»، لم تكن الفوضى وليدة الصدفة، بل كانت نتيجة لهشاشة البنيان المؤسسى وغياب العقد الاجتماعى الحقيقي، فضلاً عن التدخلات الخارجية التى وجدت بيئة خصبة للتخريب. فى المقابل أدرك الشعب المصرى بوعيه الفطرى أن إسقاط مؤسسات الدولة يعنى انهيار الأمن وتلاشى الوطن، فخرج فى يونيو 2013 ليحمى هويته ويسترد دولته من براثن الجماعات الظلامية، معلناً بداية مرحلة جديدة من البناء والصمود.
ويلعب الجيش المصرى دوراً محورياً لا يمكن تجاوزه فى حماية الدولة ومنع سقوطها. فى الوقت الذى تفككت فيه جيوش نظامية فى دول مجاورة وتحولت إلى مليشيات طائفية ومسلحة، ظل الجيش المصرى مؤسسة وطنية جامعة، لاتفضل فصيلة على أخري، وعقيدتها الأساسية هى حماية تراب الوطن وصون مقدرات شعبه. ولم يقتصر دور القوات المسلحة المصرية على الجانب العسكرى والأمنى فقط، بل امتد ليشمل قيادة ملحمة التنمية الشاملة، حيث شاركت الهيئات الهندسية والمدنية فى إنشاء البنية التحتية العملاقة من طرق ومحاور ومشاريع إسكان وتنمية زراعية وصناعية، مما عزز من مناعة الاقتصاد وجعل الدولة قادرة على امتصاص الصدمات العالمية المتتالية، بدءاً من جائحة كورونا وصولا إلى الأزمات الجيوسياسية الراهنة. وتدرك القوى المعادية لمصر أن إسقاط دولة بحجم ومكانة مصر عسكرياً أمر شبه مستحيل، لذا فقد تحولت بوصلة الاستهداف نحو العقول والوعى الجمعى للشعب المصري، من خلال استخدام حروب الجيل الرابع والخامس. تعتمد هذه الحروب على بث الشائعات، وتضخيم الأزمات، والتقليل من حجم الإنجازات، وتأجيج النعرات الطبقية، بهدف إسقاط الثقة بين المواطن ومؤسساته.
هنا تتجلى الضرورة القصوى للوعى الوطني، فالشعب الواعى هو الحصن الأخير ضد هذه الشائعات المغرضة. إن إدراك المواطن لحجم التحديات التى تواجه الدولة، سواء على الحدود أو فى الداخل، يجعله شريكاً حقيقياً فى صنع القرار وحمايته. الوعى ليس مجرد شعور عاطفى بالانتماء، بل هو فهم عميق لمعادلة البقاء: لا تنمية بدون أمن، ولا أمن بدون دولة قوية، ولا دولة قوية بدون شعب واع.
ولم تكتفِ مصر بحماية حدودها ومنع سقوطها الداخلي، بل امتد دورها الإنسانى والأخلاقى والتاريخى ليكون درعاً للمنطقة بأسرها. لقد فتحت مصر أبوابها لملايين الأشقاء العرب الفارين من جحيم الحروب فى دولهم المجاورة، ولم تعاملهم كلاجئين فى معسكرات عزل، بل دمجتهم فى المجتمع المصرى كضيوف أعزاء ينعمون بالخدمات والأمان دون تمييز.
وعلى الصعيد السياسى والدبلوماسي، ظلت القاهرة الصوت العاقل والثابت الذى يدعو دائما إلى الحفاظ على مؤسسات الدول الوطنية فى المنطقة، ورفض التدخلات الأجنبية، ودعم الحلول السياسية السلمية للنزاعات. إن سقوط مصر لا قدر الله كان سيعنى انهيار المنظومة العربية برمتها، وفراغاً استراتيجياً هائلاً كانت ستستغله قوى إقليمية ودولية لتكريس الهيمنة وتقسيم المقسم. إن الحفاظ على الدولة المصرية وتثبيت أركانها ليس مسؤولية الحكومة وحدها، بل هو واجب وطنى يقع على عاتق كل فرد يعيش على هذه الأرض الطيبة. ويتطلب منا الأمر التحلى بالوعى النقدي، وعدم الانسياق وراء الأخبار الكاذبة والشائعات التى تستهدف هدم الروح المعنوية. ولذلك لابد من دعم مؤسسات الدولة والالتفاف حولها فى مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية الجسيمة. ولابد من العمل الجاد والانتاج، باعتبار العمل هو السبيل الوحيد لتجاوز الأزمات وبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة. وكذلك صرورة ترسيخ الهوية الوطنية وتعريف النشء الجديد بتاريخ هذا الوطن والتضحيات الكبرى التى قدمها الأجداد والآباء لبقاء هذه الراية مرفوعة. إن مصر ليست مجرد رقعة جغرافية على أطراف الخريطة، بل هى فكرة خالدة وحضارة علمت العالم معنى البقاء والبناء. إن وعينا بالدور العظيم الذى قامت به وتقوم به قواتنا المسلحة ومؤسساتنا الوطنية وشعبنا العظيم لمنع سقوط الدولة هو طوق النجاة الحقيقى فى عالم يغلى بالمتغيرات. فلنكن جميعاً على قدر المسئولية، حراساً لوعى هذا الوطن، ودرعاً لحماية ترابه، وفاءً لتاريخ عريق وأمانة فى أعناقنا تجاه مستقبل مشرق وآمن.
وللحديث بقية









