يشهد الاقتصاد العالمى فى المرحلة الراهنة مفترق طرق حرجاً، أعاد إلى الأذهان كابوس التضخم الجامح الذى عانت منه كبرى الإقتصادات لسنوات. وفى هذا السياق أطلق البنك الدولى سلسلة من التحذيرات المكثفة حيال خطر اندلاع موجة تضخم عالمية جديدة، مدفوعة بتصاعد التوترات والنزاعات الجيوسياسية، وتحديداً فى منطقة الشرق الأوسط، وما يصاحبها من اضطرابات حادة فى سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة. هذه التحذيرات لم تعد مجرد قراءات نظرية، بل تحولت إلى دق ناقوس خطر ينذر بتبعات قاسية تمس الاستقرار المالى والنقدى للدول المتقدمة والنامية على حد سواء.
تأتى تحذيرات البنك الدولى فى وقت يعانى فيه الاقتصاد العالمى أصلاً من حالة هشاشة مستمرة منذ جائحة كورونا والحروب التجارية والاقليمية المتعاقبة. وقد تركزت صدمة التضخم الجديدة حول قطاع الطاقة بشكل أساسي، حيث أدى توتر الأوضاع واستهداف الممرات الملاحية الحيوية، مثل مضيق هرمز، إلى تعطل حركة ناقلات النفط والغاز وارتفاع تكاليف الشحن البحرى وأقساط التأمين بشكل غير مسبوق.
وحين ترتفع أسعار النفط والوقود، تتسرب هذه الزيادة كالنار فى الهشيم لتطال كل مفاصل الإنتاج والنقل والتوزيع. ولم تتوقف الأزمة عند حدود الوقود، بل امتدت لتشمل أسواق الأسمدة والمواد الخام الزراعية، مما تهدد الأمن الغذائى العالمى وترفع تكلفة الإنتاج الزراعى بصورة مضاعفة. هذا التداخل المعقد بين أزمة الطاقة والغذاء هو ما دفع بالبنك الدولى للتأكيد على أن مسار التراجع التضخمى الذى استبشرت به الأسواق مؤخراً قد تعرض لانتكاسة حقيقية.
وتشير تقارير البنك الدولى وكبار مسئولى الشئون الاقتصادية فيه إلى أن الاقتصاد العالمى بات يقف على حافة سيناريوهات بالغة التشاؤم، إذا استمرت الصراعات الراهنة وتوسعت نطاقاتها لفترات أطول. فى أسوأ السيناريوهات المطروحة، قد يتباطأ معدل نمو الاقتصاد العالمى لمستويات قريبة من 1.3 ٪، بالتزامن مع قفزة فى معدلات التضخم العالمية لتصل إلى نحو 4.5 ٪.
هذا الوضع المأزوم يضع البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها الفيدرالى الأمريكي، فى مأزق ومعضلة بالغة الصعوبة.
ولمواجهة موجة التضخم العائدة، قد تضطر البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول أو حتى زيادتها، وهو ما يقتل الزخم الاقتصادى ويزيد من تكلفة الاقتراض.
وفى المقابل فإن التسرع فى خفض الفائدة لدعم النمو سينطوى على مخاطر جنونية تتمثل فى ترسيخ التضخم وجعله المكون الأساسى للبيئة الاقتصادية المعاصرة.
إذا كانت الاقتصادات الكبرى قادرة على امتصاص جزء من الصدمات، فإن الدول النامية والناشئة ومحدودة الدخل تتحمل العبء الأكبر والتكلفة القاسية لهذه الموجة التضخمية. وتواجه هذه الدول مزيجاً كارثياً يتمثل في:
أزمة الديون السيادية: مع ارتفاع أسعار الفائدة العالمية، تضاعفت تكلفة خدمة الديون الخارجية، وباتت نسبة كبيرة من موازنات هذه الدول تذهب لسداد فوائد القروض بدلاً من توجيهها للقطاعات الحيوية.
ويؤدى ارتفاع أسعار الواردات من الغذاء والسلع الأساسية إلى تآكل الدخل الحقيقى للمواطنين، واتساع رقعة الفقر والبطالة فى المجتمعات النامية. كما تجبر ضغوط الموازنة الحكومات على تقليص الإنفاق على التعليم والصحة والبنية التحتية، مما يهدد بضياع عقود من مكاسب التنمية البشرية. ولابد من ضرورة التحرك الاستباقى والتعاون الدولى أمام هذه التحديات الجسيمة، يشدد البنك الدولى على أن مواجهة هذه الموجة التضخمية تتطلب سياسات دولية ومحلية منسقة وصارمة، وليست حلولا مؤقتة. وتشمل هذه السياسات
تعزيز أمن الطاقة والغذاء: عبر تنويع مصادر الإمداد، ودعم سلاسل التوريد المحلية، والاستثمار السريع فى مشاريع الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد المفرط على الوقود الأحفورى المتقلب. وعلى مستوى الدول النامية، يعد تعزيز الإيرادات المحلية وإعادة هيكلة الديون خطوة حتمية. إن دمج التكنولوجيا وتحسين الإنتاجية يظل الممر الإجبارى المستقبلى لتعويض الخسائر الاقتصادية الكبيرة.
إن تحذيرات البنك الدولى بشأن موجة التضخم العالمية الجديدة ليست مجرد أرقام صماء فى تقارير دورية، بل هى إنذار حقيقى يستدعى يقظة تامة من كافة الحكومات وصناع القرار. إن بقاء العالم رهينة للصراعات الجيوسياسية واضطرابات الطاقة يعنى استمرار نزيف الاقتصاد وتراجع مستوى المعيشة لملايين البشر. ومن ثم فإن تضافر الجهود الدولية نحو إرساء السلام، واستعادة استقرار الأسواق، وحماية الفئات الأكثر احتياجاً، يظل هو طوق النجاة الوحيد لعبور هذه المرحلة المضطربة والحد من تداعياتها الكارثية.









