تابعتُ، باعتباري أحد أبناء محافظة قنا، حالة الجدل الواسعة التي اشتعلت على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية، عقب الجولة المفاجئة التي أجراها المحافظ داخل مستشفى قنا العام، وما أعقبها من قرارات بحق عدد من المسؤولين والعاملين، ثم رد فعل نقابة الأطباء الذي وصل إلى تقديم شكوى لرئيس مجلس الوزراء.
وما بين مؤيد يرى أن المحافظ أدى واجبه، ومدافع عن الأطباء يرى أن ما حدث تجاوز في حقهم، غاب صاحب القضية الحقيقي… المريض.
إن محافظة قنا التي تقع على بعد 600 كيلومتر من القاهرة، ويقطنها 3.6 مليون مواطن، يعتمد أغلبهم على المستشفيات الحكومية باعتبارها الملاذ الأول، وربما الوحيد، للحصول على العلاج. لذا فإن أي خلل داخل المنظومة الصحية لا يمثل مجرد خطأ إداري، بل يمس حق ملايين المواطنين في خدمة صحية تحفظ حياتهم وكرامتهم.
ما كشفته جولة المحافظ لا يمكن تجاهله أو التقليل منه؛ أب يستغيث لأن ابنه محجوزة منذ أيام ولا أحد يخبره متى ستُجرى لها الجراحة، ومرضى وأسرهم يجلسون في الممرات بشكل غير آدمي، وملاحظات على مستوى النظافة، وتأخر العاملين عن مواقعهم. هذه المشاهد كان يجب أن تكون محور النقاش، لأنها تمثل معاناة يومية يعيشها البسطاء.
وما أدهشني أن جانبًا كبيرًا من الجدل انصرف إلى مسألة تصوير الجولة، والحديث عن نوايا المحافظ، بينما لم يتوقف كثيرون أمام ما كشفته الكاميرا نفسها.
فالقضية ليست في وجود كاميرا، وإنما في وجود خلل يحتاج إلى إصلاح. أما النوايا فلا يعلمها إلا الله، والمواطن البسيط لا يعنيه سوي أن يجد طبيبًا في مكانه، ومستشفى نظيفًا، وخدمة تليق بآدميته.
نعم، من حق نقابة الأطباء أن تدافع عن أعضائها والمهنة، لكن الدفاع الحقيقي عن المهنة يبدأ بالانحياز للمريض، والعمل على معالجة أوجه القصور، لا الاكتفاء برفض أسلوب ةالمسئول التنفيذي.
كما أن نقل مدير مستشفى لا يعني بالضرورة التقليل من كفاءته، فقد يكون طبيبًا متميزًا، لكن إدارة المستشفيات أصبحت علمًا قائمًا بذاته، يحتاج إلى مهارات في الإدارة والتخطيط والجودة، إلى جانب الخبرة الطبية.
وما يثير التساؤل أيضًا أن مستشفيات قنا نادرًا ما تتصدر المشهد بأخبار نجاحات طبية أو عمليات معقدة، بينما نقرأ بصورة شبه يومية عن إنجازات لمستشفيات أسيوط وسوهاج وبنها والمنصورة والقصر العيني.
أنا لا أظن أن قنا تفتقر إلى الكفاءات، لكنها ربما تحتاج إلى إدارة طبية أكثر تطورًا، وبيئة عمل أفضل، وتشجيع للتميز والابتكار.
إن حل هذه الأزمة لا يكون بتبادل البيانات أو تصعيد الخلاف، أو انتظار مرور الوقت لِتُنْسَى وتعود الأمور إلى طبيعتها السيئة، وإنما ببناء شراكة حقيقية بين المحافظة ومديرية الصحة ونقابة الأطباء.
نحتاج إلى برنامج لتأهيل مديري مستشفيات قنا في الإدارة الصحية الحديثة، ومؤشرات معلنة لقياس الأداء، ونظام سريع لتلقي شكاوى المرضى ومتابعتها، مع تحفيز المتميزين، ومحاسبة المقصرين بعدالة وشفافية.
كما أن حاجة ملحة لدراسة إنشاء “صندوق لتطوير الخدمات الصحية بقنا” بمشاركة المجتمع المدني والقطاع الخاص، لتوفير المستلزمات العاجلة وتحفيز الأطباء، على أن تعلن دوريًا نتائج أعناله أمام الرأي العام القنائي لضمان الثقة والرقابة الشعبية.
ختامًا، إن الجولات الميدانية للمحافظ مصطفى الببلاوي — والتي تذكرني بأيام المحافظ عادل لبيب — يجب أن تستمر، بهدف الإصلاح الشامل وليس لمجرد رصد الأخطاء ومحاسبة المقصرين. فلا ينبغي أن يكون الهدف انتصار المحافظ أو انتصار نقابة الأطباء، وإنما الهدف هو علاج المرضى القناوية بكرامة وآدامية .. وهنا فقط ينتصر البسطاء .. وينتصر الجميع.









