كثيرة هي الأحلام في قلبي، ومتنوعة، بشكل عام وخاص، إلا أن أعمقها وأكثرها إنسانية هو حلم الوطن الواحد الذي يستوعبنا جميعًا؛ من نختلف معهم ومن نتفق.. أحلم بتلاشي تلك الجملة القاسية: «من ليس معنا فليس منا».. أحلم بكسر حاجز الصعود لمجتمع خالٍ من أي موروث يباعد بيننا ويؤخرنا عن ركب البشر الطبيعيين الطيبين، المتقبلين لبعضهم البعض، والذين يجمعهم احترام القانون والقيم الإنسانية السامية.
عندما هاتفتني صديقة تربطني بها صلة وثيقة يمتد عمرها لعلاقة صداقة قديمة بين والدها اليساري المعروف ووالدي، وحكت لي مشكلة ابنها الكابتن الرياضي؛ والذي كُلّف بتقييم بعض اللاعبين الشباب لتجهيزهم للالتحاق بالفريق.. حكت لي عن الموقف المحرج والمؤلم الذي تعرض له ابنها عندما اتُهم بالتمييز واستبعاد طفل اسمه “مكاري” على أساس اسمه المسيحي الجميل. تقدم “مكاري” في توتر شديد للتقييم، فابتسم الكابتن في محاولة لكسر توتره وداعبه قائلاً: “اسمك صعب عليا يا مكاري”، تؤكد الأم أنه كان يمزح معه ليرفع عنه الرهبة.. ولكن يبدو أن “مكاري” الصغير فهم المسألة على أنها تنمر أو رفض لاسمه.
سارع الطفل إلى أمه غاضباً وقال إن الكابتن رفضه بسبب اسمه. غضبت الأم بشدة، وهذا حقها الطبيعي كأم تخاف على مشاعر طفلها، وكتبت على وسائل التواصل الاجتماعي ما حدث، مما أشعل حالة من التعاطف الشديد والغضب النفسي المتراكم، وانقلبت الدنيا على رأس الكابتن. النادي من جانبه سارع باتخاذ إجراءات لوأد التوتر، ودخل “مكاري” الفريق، وتم وقف الكابتن لميعاد محدد.
سعدت بالطبع بدخول “مكاري” وسعدت أكثر باسترداد الثقة في نفس الطفل؛ فالأطفال هم الأهم دائماً. ولكن في رأيي، المشكلة أعمق بكثير من موقف فردي أو قرار إداري؛ المشكلة تكمن في حالة التحفز النفسي الجاهزة لدى الجميع! تحفز وهجوم واتهام متبادل يسيطر على النفوس عند أي سوء فهم.
عندما حاولتُ نقل وجهة النظر الأخرى متجردة، نلتُ نصيبي من الاتهامات والانحياز، رغم أنني أقف على مسافة واحدة من الجميع، ولا أنحاز إلا للبراءة وللشباب الذين يقعون ضحية لهذه الظنون والموروثات القديمة.
“ساري” و”مكاري” هما أبناء بيئات ومجتمعات تأثرت بهذه النظرة والمخاوف المتبادلة. الحل لا يكمن في قرارات استثنائية أو موقف عابر، بل في معالجة جذرية من المجتمع بكافة أطيافه؛ في المدرسة، وفي الثقافة، وفي الإعلام، وفي كل مساحة جمعية. الحل هو أن نزرع في وعينا جميعاً أن المصري هو مصري، وأن المعيار الوحيد هو الكفاءة والتميز والمهارة، بعيداً عن أية نظرة ضيقة.
“مكاري” و”ساري” كلاهما ضحية لموروث ثقافي ونفسي قديم يحتاج منا جميعاً – كمجتمع وأفراد وأسر – أن نعمل على نسفه واستبداله بالمحبة والثقة المتبادلة.









