أول رحلة قمت بها فى حياتى كانت إلى قناطر دهتورة بمركز زفتى.. كانت ممتعة وشيقة للغاية لأنها أطلعتنى على مكان ساحر ينبض بالحياة وتفوح منه رائحة التاريخ رغم حداثته قياساً للحضارة المصرية الضاربة بجذورها فى أعماق التاريخ.. لم أنم ليلتها لأننى ظللت اتخيل المكان الذى يعد قبلة الأهالى للتنوع فيه من حدائق خلابة وقناطر تخرج منها 50 عيناً لمرور المياه تم بناؤه فى عهد محمد على أوائل ثمانينيات القرن الماضى، تلاها بعد ذلك رحلة إلى قرية الجميزة بالسنطة مع أقرانى بالمدرسة الابتدائية ورغم أنها كانت سيراً على الأقدام لقربها إلا أنها كانت شيقة ومفيدة لأننا تعرفنا على أنواع الأبقار والأغنام وطريقة تصنيع الالبان.. بعدها تعددت الرحلات لأنى اعشقها لما فيها فائدة ومعلومات.
اقول ذلك بمناسبة اطلاق وزارة السياحة والآثار منصة اسمها «رحلة» لتنظيم رحلات مدرسية بالمجان إلى المواقع التاريخية والمتاحف بلغت نحو 6500 رحلة فى مرحلتها الاولى استفاد منها ءكثر من 300 ألف تلميذ بالمرحلتين الابتدائية والأعدادية بوزارة التربية والتعليم، بعد نجاحها أطلقت الوزارة المرحلة الثانية والتى تشمل المعاهد الازهرية بهدف ترسيخ الوعى الأثرى والسياحى لدى الطلاب.
الحقيقة المنصة هادفة ورائعة يشكر عليها القائمون بالوزارة لأنها أعادت الأطفال إلى رؤية الأماكن الأثرية والمتاحف التى لا حصر لها فى مصرنا المحروسة بعدما سيطرت وسائل التواصل الاجتماعى وبات غالبية الأطفال أسارى هذا الوافد الجديد الإلكتروني، وابعدهم عن التعرف على تاريخ الاجداد التليد وصارت الزيارات لتلك الاماكن التاريخية وما اكثرها واعظمها على مستوى العالم مكلفة وفى غير مقدور البعض، لذا كانت فكرة منصة «رحلة» التى نحن بصددها ونثمنها مهمة لأنها بالمجان، ولأنها اعادت الرحلات المدرسية التى كانت موجودة قبل الانترنت وقل تنظيمها لتكلفتها العالية حالياً، وقد لمست ذلك بنفسى عندما سألت بعض اولادنا بالمدارس عن رحلاتهم التى نظمتها لهم مدارسهم فأجمعوا على جمالها وروعتها ولأنها جعلتهم يغوصون فى اعماق التاريخ ويتعرفون على ميراث الأجداد منذ أيام الفراعنة وحتى الاسرة العلوية.
صراحة المنصة.. مفيدة علمياً وتاريخياً ستجعل اولادنا يتعرفون اكثر على أعظم حضارة فى التاريخ ويهتمون بتتبع اخبارها سواء من خلال الاماكن الأثرية او المتاحف الزاخرة بعروض ومقتنيات لا مثيل لها فى العالم، الأمر الذى جعل السائحين يقبلون عليها ويتحملون مشقة السفر لرؤيتها ليس لمرة واحدة بل لمرات عديدة، لدرجة أن بعض السائحين فضلوا البقاء فى مدن مثل الأقصر وأسوان بالذات، ومنهم من يؤجل الاحتفال بزيجات الزواج او أعياد الميلاد لحين الزيارة لمصر لإقامتها وتصويرها بالفيديو كوثيقة للزمن والتباهى بها.
الحقيقة.. اتاح لى عملى كمندوب لجريدة الجمهورية اواخر الثماينيات وحتى اوائل التسعينيات فرصة زيارة غالبية الأماكن الأثرية والمتاحف لاكثر من مرة خلال تولى الفنان فاروق حسنى وزارة الثقافة من الاسكندرية شمالاً حيث قلعة قايتباى وقصر المنتزه ومتحف المجوهرات وغيرها وحتى أسوان والنوبة حيث معابد فيلة والمسلة الناقصة وجزيرة النباتات وغيرها حتى أبوسمبل حيث تعامد الشمس على تمثال رمسيس الثانى بمعبده الضخم الذى تم نقله من مجرى النيل إلى مكان قريب بنفس الدقة والجهة التى تتيح للشمس الدخول يومين فقد فى العام بمساعدة اليونسكو، مروراً بمعابد الاقصر وكل من وادى الملوك والملكات بالبر الغربى ومئات المقابر للملوك الفراعنة العظام وغيرها، ناهيك عن المتاحف المنتشرة فى اصقاع المحروسة، ومروراً بالقاهرة والجيزة حيث الأهرامات إحدى العجائب السبع المصنفة عالمياً وقلعة صلاح الدين.
كتابتى عن كل ما شاهدته من تطوير وافتتاحات لمتاحف ومقابر ملكية زادت من معرفتى بتاريخ الاجداد وعمقت بداخلى معرفة كل ما هو جديد فى عالم الآثار والمتاحف، وجعلتنى اكثر تحدثاِ بحب لأولادى ولأصدقائى عن تاريخ مصر العظيم وجعلتنى فخوراً بحضارتنا، لذا كانت منصة «رحلة» رائعة لأنها ستوصل الاهتمام بعظمة الأجداد وستجعلهم أكثر قرباً وفخراً بمصر المحروسة، وبالتأكيد سينقلون ما يشاهدونه إلى أقرانهم وإلى أصدقائهم وحتى للأجانب عندما يكبرون.
أتمنى استمرارية هذه المنصة والتوسع فيها لتشمل طلاب الثانوى والجامعات وأن تشمل أماكن خارج القاهرة بتكاليف رمزية للتشجيع على الاشتراك فى تلك الرحلات وأن يطلب من التلاميذ كتابة موضوعات تعبير عما شاهدوه خلال تلك الزيارات، وان يطلب من الطلاب بالجامعات كتابة وتصوير فيديوهات ورفعها على وسائل التواصل الاجتماعى لانها الاكثر متابعة بأكثر من لغة كى يراها الأصدقاء بالخارج وبالتالى ستنشط السياحة أكثر وأكثر وستزيد أعداد السائحين من كل حدب وصوب.. تحية لوزارة السياحة والآثار ونريد المزيد.









