افتُتحت أمس فعاليات مهرجان “خيال الظل الأول”، الذي ينظمه بيت السناري بالتعاون مع فرقة “ومضة” تحت عنوان “مسرح النموذج الحضاري”.
تضمنت فعاليات اليوم الأول افتتاح معرض استعادي لدمى خيال الظل للفنان محمد رايق، والذي قدّم نماذج متنوعة للدمى، تراوحت بين القطع التراثية التي تعود لقرون مضت، والنماذج الحديثة المعاصرة.
وأعقب افتتاح المعرض تقديم عرض “التمساح”، وهو استعادة لـ “بابَة التمساح” الشهيرة التي قُدمت على مدار قرون بتحديثات تناسب كل عصر. وشهد العرض بطولة فناني خيال الظل: علي أبو زيد سليمان، ومصطفى الصباغ، ومحمود السيد، وصلاح بهجت، وهو من إعداد وإخراج د. نبيل بهجت.
ندوة الافتتاح: «الخيال والمخايل»
أقيمت الندوة الرئيسية تحت عنوان “الخيال والمخايل”؛ حيث تناولت د. نجوى عانوس مفهوم الخيال وربطته بالحضارة المصرية القديمة، مؤكدة على تفرد المبدع المصري ووعيه المبكر بأهمية الخيال. واستعرض د. فهر محمود شاكر مفهوم الخيال في الأدب العربي، وكيف شكّل محوراً رئيسياً في الشعر العربي امتد أثره إلى الفكر والفلسفة الصوفية (كما لدى ابن الفارض وابن عربي)، مشدداً على أن الخيال كان ولا يزال مفهوماً محورية في الأدب العربي.
كما شهدت الندوة حديثاً لكل من د. إبراهيم سلام والفنان محمد رايق حول تجربتهما الفنية مع فرقة “ومضة”. وعلى هامش الندوة، تم تكريم د. نجوى عانوس تقديرًا لجهودها في حفظ التراث.
شهادات حية: تجربة «المخايل» في فرقة ومضة
قدّم أعضاء فرقة ومضة شهادات حية تعكس خبراتهم وعوالمهم خلف شاشة خيال الظل:
الفنان علي أبو زيد: «سحر يتجاوز الفن إلى الوطن»
“لم تكن تجربتي مع خيال الظل مجرد تجربة فنية، بل كانت مساراً إنسانياً ووطنياً أعمق، يعزز انتمائي لوطن يمتلك تاريخاً وثقافة وشعباً مبدعاً بالفطرة. إن لخيال الظل سحره الخاص الذي يمنحك مفاتيح عالم مدهش؛ حالة من الإبهار نراها في أعين الجمهور بمجرد إضاءة الشاشة.
إن على المخايل أن يتقن كافة التفاصيل: من تصنيع العرائس والشاشة إلى تنفيذ الإضاءة ومتطلبات العرض. بدأت رحلتي منذ قرابة عشرين عاماً عبر ورشة أشرف عليها د. نبيل بهجت، التقينا فيها بكنوز بشرية حية نهلنا من معرفتهم. اجتهدتُ ليبقي دور المخايل حياً، وكانت فرقة ‘ومضة’ حصناً يجمع بين الخبرة الفنية والأكاديمية. معظم ذكرياتي عاشت خلف الشاشة، حيث أبدع في تلك المساحة الصغيرة ما يبهر الجماهير، وسعيدٌ باختياري هذا الطريق لحمل ملامح الوطن.”
الفنان مصطفى عبد العزيز الصباغ: «المخايل.. أعز الألقاب»
“رغم تخرجي في قسم المسرح، إلا أنني ارتبطتُ بخيال الظل أثناء الدراسة من خلال محاضرات د. نبيل بهجت والورش التدريبية التي فتحت لي أفقاً مختلفاً للتعبير. للمخايل مهارات خاصة كإتقان درجات الصوت، الغناء، الارتجال، والتأليف؛ فصوت المخايل يحمل بصمته لدى الجمهور.
يعتمد نجاح المخايل على الانسجام والعمل الجماعي والالتزام بمنهج الفريق. ولقد نجحت فرقة ‘ومضة’ على مدار السنوات الماضية في أن تكون التجربة المتخصصة الوحيدة التي انطلقت بهذا الفن المحلي إلى العالمية. لم تكن ‘ومضة’ مجرد فرقة، بل مشروع استعادة وإحياء وحياة؛ وقد استلهمتُ مؤخراً هذا الفن لإنتاج معرض لدمى خيال الظل وعروض حكي قصيرة للأطفال.”
الفنان محمود سيد حنفي: «شغفٌ يتجدد وفنانٌ شامل»
“كان انضمامي لفرقة ‘ومضة’ تحولاً مهماً في حياتي؛ حيث أحيا الشغف الذي يتملكني منذ الصغر أثناء متابعتي لعروض مولد السيدة زينب. ولقد ساعدتني ورش وعروض الفرقة على تجاوز صعوبة ‘عالم الدمى’ المتمثلة في التخلي عن أدوات الممثل المباشرة (كالإيماءات وتعبيرات الوجه) والاعتماد الكلي على حركة العروس والصوت.
تميزت الفرقة بمزجها بين الفنانين الشعبيين والأكاديميين، مما مكننا من تقديم موضوعات تراثية، تربوية، وسياسية، بل والتعاون مع فرق أجنبية تقديم عروضنا في أكثر من 30 دولة حول العالم. إن المخايل فنان شامل، وخلف الشاشة تتشابك الأيادي وتتوحد مع العروس في حركة ولغة خاصة يصنعها الحب والإبداع.”
الفنان صلاح بهجت: «الظل.. عالم وسحر وحياة»
“أول ما يدركه الإنسان من ذاته هو ظله؛ فالظل عالم وسحر. بدأت علاقتي مع خيال الظل مع بدايات فرقة ‘ومضة’ وعروضها التجريبية في الحارات والأزقة، ثم من خلال ورش التكوين. كانت ‘ومضة’ حلم مؤسسها للبرهنة على أن لدينا ما يعبر عنا.
خلف الشاشة تتعدد المهام بين الأصوات والحركات لتبدو كلوحات تمثيلية يغيب فيها الممثل ويحضر ظل الدمية. يجب على المخايل معرفة أسرار المهنة حتى يتدارك أي طارئ (كإصلاح الدمية أثناء العرض). الخيال يمنحنا الفرصة لنختبئ خلف الستار لنعبر ونضحك؛ وبمجرد أن تلمس الدمية تصبح أنت الشخصية سواء كانت طفلاً أم كهلاً أم حيواناً. الخيال فلسفة وجود وصحبة للأمل.”
ختام اليوم الأول: تأكيد على «النموذج الحضاري»
وفي ختام اليوم الأول، أشار د. نبيل بهجت (مدير ومؤسس المهرجان) إلى فلسفة عنوان المهرجان، مؤكداً أن الصراع الأساسي في العالم اليوم هو «صراع تثبيت النموذج»، ومشدداً على ضرورة الاحتفاء بنماذجنا الحضارية والوصول بها من لحظات الهزيمة إلى الإبداع.
وحذر د. نبيل من التقليد الأعمى مستشهداً بمقولة ابن خلدون: «المهزوم مولعٌ أبداً بتقليد الغالب»؛ واختتم موضحاً أنه لن تتحقق لنا نهضة حقيقية إلا بالانطلاق من تراثنا الأصيل لا تراث الآخرين، قائلاً: «إن لدينا ما يستطيع أن يعبّر عنا».















