بعد أن غابت شمس مونديال 2026، وعادت البعثات إلى بلادها محملة بانكسارات أو بانجازات تاريخية، وانتصارات كبرى أمام كبار اللعبة، احتفل المصريون مرتين الأولى عندما أثبت منتخب مصر، أنه لم يعد مجرد «ضيف شرف» فى المحفل العالمى، والثانية عندما فازت إسبانيا بالمونديال واحتفاء المصريين بفوز الماتادور له أسباب كثيرة أهمها تشجيع اسرائيل للأرجنتين ودعم إسبانيا لفلسطين.. نعود لمصر، نعم تجاوزنا أدوارًا صعبة، لكن السؤال الذى يفرض نفسه بقوة: هل يكفى ما حدث للفوز بكأس العالم؟
الإجابة المختصرة، والموجعة فى نفس الوقت: لا.
ولننظر إلى جارتنا المغرب، التى سبقتنا إلى هذا الطريق، حين وصلت الأسود إلى المربع الذهبى، لم يكن ذلك صدفة، ولم يكن مجرد «موجة حظ»، بل عملت المغرب «مشروع»، بنوا دولة رياضية متكاملة، بدأت من أكاديمية محمد السادس، مرورًا بالاستثمار فى الجاليات المغربية بأوروبا، وانتهاءً ببنية تحتية احترافية تخدم اللاعب من سن العاشرة حتى الاعتزال، فلم تخطط المغرب للمونديال، بل خططت لصناعة جيل بأكمله..
فى مصر، ما زلنا نعلق آمالنا على «الموهبة الفردية»، وعلى ظهور لاعب استثنائى مثل محمد صلاح، وعلى حماس الجماهير الذى لا مثيل له فى العالم، وهذه كلها عناصر رائعة، لكنها لا تكفى، كأس العالم لا تُرفع بالحماسة، ولا تُخطف بلمحة ، بل تُصنع بمنظومة عمل مؤسسى، تبدأ من الطفل الذى يركل الكرة فى الحارة، وتنتهى بلاعب يقف على منصة التتويج.
مشكلتنا ليست فى نقص المواهب، فالأرض المصرية خصبة دائمًا باللاعبين، لكن مشكلتنا فى «صناعة اللاعب». نحن نستورد المدرب الأجنبى، والمعسكر، ونستورد كل شيء، إلا «التخطيط»، نجهز المنتخب قبل البطولة بشهور، وننسى أن المنتخب هو قمة الهرم، وأن الهرم كله يحتاج إلى قاعدة صلبة من الدورى المحلى القوى، والحكام المحترفين، والإدارة الحيادية البعيدة عن صراعات الانتخابات.
إذا كنا جادين فى حلم الفوز بكأس العالم يومًا، فعلينا أن ندرك أن الطريق مختلف تمامًا عن مجرد «التأهل» .. الطريق يحتاج إلي:
>> ثورة فى قطاع الناشئين: ليس مجرد بطولات شكلية، بل مدارس كرة حقيقية، بمدربين مؤهلين، وملاعب صالحة، ورعاية صحية وتغذوية.
>> دورى محترفين حقيقي: يرفع المستوى، لا يستهلك اللاعبين.
>> استقرار إداري: المنتخب يحتاج إلى مدير فنى صاحب رؤية طويلة المدى، ليس مدربًا يُؤتى به لإنقاذ موقف ثم يُودع بعد الخسارة.. مشروع فنى يمتد لـ 4 أو 8 سنوات، بغض النظر عن الأشخاص.
>> الدعم العلمي: كرة القدم الحديثة أصبحت علماً، تحليل بيانات، تغذية، نفسية، تكنولوجيا، فلا مكان للعشوائية فى عالم الاحتراف.
لا أحد ينكر أن ما تحقق فى 2026 خطوة عملاقة، وتستحق التقدير والاحترام. لكن دعونا لا نسكر بالنشوة، فنحن لم نصل بعد إلى قمة الجبل، الفوز بكأس العالم حلم مشروع لأى أمة تحب كرة القدم، لكن هذا الحلم له ثمن باهظ، يدفعه الجميع: اتحاد كرة قدم، وأندية، وحكومة، وجماهير، فالكرة ليست لعبة حظ، والتاريخ لا يكتب بالأمانى، إذا أردنا أن نرى مصر يومًا ترفع الكأس، فعلينا أن نتوقف عن «الارتجال»، ونبدأ فى «البناء».









