كتبت الأسبوع الماضى عن الجانب المضيء فى استخدامات الذكاء الاصطناعى فى الكشف عن كنوز الحضارة الفرعونية باعتباره شامبليون العصر الحديث، وتوقفت عند المرأة الفرعونية وأنشودة الجمال والجانب الأكثر سحراً وفنية فى هذا البعث الرقمى هو تجسيد حياة «المرأة المصرية القديمة»، التى تبوأت مكانة لم تنلها امرأة فى العالم القديم؛ فكانت ملكة، وقاضية، وكاهنة، وشريكة كاملة فى الحقوق القانونية.
ومن خلال دمج الذكاء الاصطناعى التوليدى مع المسح الجيولوجى والفنى للجداريات فى وادى الملكات، أعادت الآلة تركيب تفاصيل «الأزياء والجمال الفرعونى» بدقة متناهية:
الأزياء مثلا وخيوط الكتان الأبيض الرفيع الشفاف، والكسرات المنسابة التى تعكس وقاراً أسطورياً.. والجمال فى ألوان الكحل الأسود، والزيوت العطرية السبعة المقدسة، ومساحيق الملاخيت الخضراء.. والحلى والعقود المصنوعة من الفيروز، والعقيق، والذهب، وكانت تحمل دلالات دينية تحمى الجسد وتبرز فتنته.
نعم استطاع الذكاء الاصطناعى محاكاة حركة هذه الأقمشة وألوانها تحت أشعة الشمس المصرية، ليعيد إلينا صورة «نفرتارى» أو «حتشبسوت» ليس كمجرد تماثيل حجرية صامتة، بل كأيقونات حية للأناقة والجمال والسيادة.
اختصار استخدام الذكاء الاصطناعى فى فك رموز الحضارة المصرية القديمة ليس مجرد انتصار تقنى، بل هو التحام فلسفى بين أقدم حضارة إنسانية وأحدث تكنولوجيا بشرية.
بالذكاء الاصطناعى لا نغير التاريخ، بل نكشف عما كان مفقوداً منه، وبه أثبت أنه ليس مجرد آلة تحسب، بل هو «مترجم حضارات» يعيد الصوت إلى أجدادنا الفراعنة ليحكوا قصصهم كاملة دون نقصان. هو شامبليون العصر.
وعندما يمتزج المنهج الفنى بروحانيات المعبد، وعندما يفكك الوجدان الرقمى «الذكاء الاصطناعى» طقوس السحر الكهنوتى وحِكم الأدب الفرعونى، ندرك أن الفراعنة حققوا نبوءتهم الكبرى بالخلود..لم يمت الفراعنة، بل كانوا ينتظرون خلف جدار الزمن عقولاً اصطناعية قادرة على فهم عبقريتهم، ليعلنوا للعالم من جديد أن مصر لم تكن فجراً للتاريخ فحسب، بل هى مستقبل ممتد لا ينتهى.
> لكن هل يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعى نقمة وأكبر مزور فى التاريخ..؟
فإذا كان الذكاء الاصطناعى قد نجح بالفعل فى زعزعة ثقتنا بالواقع الحاضر عبر مقاطع فيديو وصور «مُزيّفة عميقاً» لسياسيين وقادة ومفكرين لم يقولوا ما سمعناه، فماذا سيفعل بالتاريخ؟ هذا السؤال ليس ترفاً فكرياً، بل هو جرس إنذار يهدد الذاكرة والهوية الإنسانية، وتحديداً الحضارة المصرية القديمة التى باتت ساحة مستباحة لتيارات الأيديولوجيا المعاصرة المدعومة بأحدث التقنيات الرقمية.
الخطورة الكامنة هنا هى أننا نواجه تقنية تستطيع تزوير الماضى الذى لم نشهده، والسؤال: كيف سنكشف زيف ما لا نملك عنه ذاكرة بصرية حية؟
والحضارة الفرعونية.. هى «التريند» الأسهل للتزييف الرقمى.. فلم تعد سرقة التاريخ تقتصر على النظريات العرقية أو الادعاءات الشفهية، مثل حركة «الأفروسنتريك» (Afrocentricity) التى تحاول جاهدة نسب الحضارة المصرية لغير أصحابها، أو فرضيات «المخلوقات الفضائية» التى تروجها منصات غربية لتجريد المصريين من إعجازهم الهندسى.
اليوم، يمنح الذكاء الاصطناعى التوليدى هذه التيارات أدوات مرعبة..بضغطة زر وبضع كلمات توجيهية، يمكن لبرامج التوليد البصرى أن تخلق صوراً فوتوغرافية ومقاطع فيديو عالية الدقة، تحاكى البعثات الأثرية فى القرن التاسع عشر.
وللحديث بقية.









