أواصل ما بدأته الأسبوع الماضى من حديث حول جامعة الدول العربية وأمينها العام الجديد السفير نبيل فهمي، من خلال رؤيته للجامعة وللعمل العربى المشترك وتحدياته وهى الرؤية التى طرحها فى مؤتمره الصحفى الرسمى الأول الذى عقده بمقر الجامعة بالقاهرة فى الثالث عشر من الشهر الجارى.
لقد اختلفت مع الأمين العام الجديد فى وصفه للقضية الفلسطينية بأنها «القضية العربية التى لا خلاف عليها» ولحقوق الشعب ومعاناته بأنها «تحظى بإجماع عربى كامل».
ورأيى أن هذا توصيف نظرى بحت لا علاقة له بالواقع، وهو أحد المشكلات التى نعانى منها فى العالم العربي، فالواقع يقول إنه لا توجد قضية عربية واحدة لا خلاف عليها، وأن الإجماع العربى الكامل على حقوق الشعب الفلسطينى الذى لا يراه أحد سوى الأمين العام يتآكل وينفرط عقده يوما بعد يوم أمام أعين الجميع فى العالم العربى والعالم الخارجي.
وأعود إلى المؤتمر الصحفى للأمين العام، فأجده يقول فيه «إن أهم التحديات التى تواجه العمل العربى المشترك يتمثل فى إقناع المواطن العربى بجدواه».. وأن ذلك لن يتحقق إلا من خلال الكشف عن حجم التعاون الاقتصادى العربي، وترجمة الاتفاقيات والسياسات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن فى حياته اليومية».
والجزء الأول من هذه الفقرة صحيح تماما.. لقد انصرف المواطن العربى تماما عن فكرة العمل العربى المشترك، يأساً وليس رفضا، وبات ما يصدر عن مؤسسات هذا العمل المشترك وعلى رأسها جامعة الدول العربية مجالاً للتندر وتعبيراً عن العجز الكامل.
هذا يعنى ببساطة أن الحل ليس كما يتصور الأمين العام وهو التحول من السياسة إلى الاقتصاد فالتعاون الاقتصادى قضية كل دولة مع شعبها وفى علاقاتها الاقتصادية الثنائية أو متعددة الأطراف مع غيرها سواء من الدول الشقيقة أو الصديقة.. تحت مظلة الجامعة العربية أو بدونها.
والمنظمات الإقليمية التى نجحت هى التى بدأت بالاقتصاد وأدركت أن بناء قاعدة من المصالح المشتركة هو ما يسمح بعمل سياسى جماعى فعال، وأوضح مثال لذلك السوق الأوروبية المشتركة التى تحولت إلى الاتحاد الأوروبى أقوى منظمة قارية عالمية وأكثرها التزاما ونشاطا وفاعلية.
وللأسف فإن الوثائق المنشئة لمؤسسات العمل العربى المشترك ربطت التعاون الاقتصادى العربى بقضية أخرى قى اتفاقية واحدة مما ساهم فى إعاقة العمل فى المجالين معا.
بل إن محاولات إنشاء كيانات ثنائية أو ثلاثية أو متعددة الأطراف فى الساحة العربية على أساس المصالح المشتركة وتحت مظلة الجامعة العربية لم تصمد طويلا، ابتداء من الوحدة المصرية السورية فى العهد الناصرى والاتحاد العربى الثلاثى بين مصر وسوريا وليبيا فى العهد الساداتى الذى لم يتبق منه سوى اسمه: «الاتحاد العربي» على باصات «السوبر جيت» فى مصر: وأخيرا الاتحاد المغاربى بين دول الشمال الافريقى العربية: ليبيا – تونس – الجزائر – المغرب وموريتانيا والمنظمة الوحيدة التى أفلتت من هذا المصير حتى الآن هى مجلس التعاون الخليجى الذى يصارع من أجل البقاء.
وبالطبع فإن البعض يحيل سبب ذلك إلى وجود إسرائيل المدعومة أمريكياً والتى تم زراعتها فى قلب العالم العربى للحيلولة دون أى صحوة عربية جامعة أو عمل عربى مشترك.. لكن وجود إسرائيل وضع العالم العربى أمام خيار آخر غير خيار الاستسلام لهذا «الفيروس» وهو خيار مقاومته ومحاصرته بكل الأدوات والوسائل الممكنة ليس فقط لوقف انتشاره بل أيضا للقضاء عليه ما أمكن ذلك وهذا ما يفعله الجسد السليم حين يتعرض لفيروس مرضى.
لابد أن ننظر إلى ما آلت إليه أوضاعنا كعرب، وأن ينظر الأمين العام للجامعة العربية والدول الأعضاء ومراكز البحث.. لماذا نترك مصائرنا وقضايانا الوجودية فى أيدى غيرنا.. لماذا كلما واجهتنا مشكلة داخل إقليمنا .. نستدعى عملا مشتركا للتصدى لها، هرعنا إلى «المجتمع الدولى» نطالبه بالتدخل دون أن نتخذ قرارا عمليا واحدا لمواجهتها ذاتيا لماذا نحن الإقليم الوحيد فى العالم الذى تتفكك دوله وتنهار مؤسساته الوطنية دولة تلو دولة ونحن نتعامل جماعيا مع هذه الكوارث كأنها قدر مقدور؟!
وفى كل دولة من هذه الدول من ليبيا إلى السودان إلى اليمن مبعوث «أممى» من الأمم المتحدة ومبعوثون لقوى عالمية كبرى سواء للمساعدة على إنقاذها أو للعبث بمصيرها بينما لا يوجد مبعوث عربى واحد للجامعة العربية يمثل الأرادة السياسبة المشتركة لحماية حل وطنى يستعيدها وتستعيد الجامعة العربية ثقة المواطن العربى فى جدوى العمل العربى المشترك.









