«الإرهابية» سعت فى الثورتين إلى «التمكين» واصطدمت بمشروع الدولة الوطنية
لم يكن استهداف ثورتى 23 يوليو و30 يونيو مجرد موقف من حدثين تاريخيين، وإنما جزءًا من معركة أوسع تستهدف نزع الشرعية عن مشروع الدولة المصرية وإحلال رواية بديلة تخدم مشروعها.. فى هذا الحوار يقدم الباحث السياسى والمتخصص فى شؤون الحركات الإسلامية عمرو عبد الحافظ قراءة تحليلية لخطاب الجماعة الإرهابية تجاه الثورتين، موضحا كيف انتقلت من المواجهة المباشرة إلى توظيف الإعلام البديل ومنصات التواصل الاجتماعى للتأثير فى الأجيال التى لم تعاصر تلك الأحداث، ولماذا تحاول التقليل من إنجازات 23يوليو والهجوم على ما تحقق بعد 30 يونيو، فى محاولة لإعادة تشكيل رواية تاريخية كاذبة.. وفى إطار الاحتفاء بذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة نتناول قراءة عميقة فى جذور عداء إخوان الإرهاب للدولة المصرية، وكيف تحولت أحلام «التمكين» لدى الجماعة إلى كوابيس اصطدمت بصخرة الوطنية المصرية فى محطتين فارقتين من تاريخ مصر المعاصر.
بداية.. كيف تفسر موقف بعض تيارات الإسلام السياسى، وتحديدا جماعة الإخوان الإرهابية من ثورة 23 يوليو ؟
جماعة الإخوان الإرهابية شاركت تاريخيا فى حركة الضباط الأحرار، وكان لها رجال أمثال: «عبد المنعم عبدالرؤوف»، وعلاقات تربطها ببعض قادة الثورة مثل حسين الشافعي، وشاركوا ظنا منهم أنهم سيحصدون «نصيب الأسد» من ثمار الثورة، وأنهم سيتمكنون من السيطرة على الشباب الذين يقودون الحركة، لتصبح «يوليو» مجرد وسيلة لتمكين الفكر الإخوانى الإرهابي.. وبعدما لم يتحقق ذلك، انقلبوا على رجال الثورة وناصبوهم العداء، ومعروف أن الإخوان هدفها الأول السيطرة على الدولة فحسن البنا كان يخطط للانقلاب المسلح والوصول للسلطة منذ البداية، وأسس لذلك ثلاثة تشكيلات مسلحة هى «النظام الخاص» «للمدنيين»، و«نظام الوحدات» «لرجال الشرطة بقيادة صلاح شادة»، إضافة إلى محاولة اختراق المؤسسة العسكرية عبر رجال مثل عبد المنعم عبد الرؤوف، وهذا كان هدفهم أيضًا عقب ثورة يوليو لكن الرئيس عبدالناصر والضباط الأحرار تحركوا سريعا للحفاظ على مسار الثورة، وأرادوها حركة وطنية خالصة بعيدة عن أى أيديولوجيا «أممية»، وهو ما تصادم مع فكر إخوان الإرهاب والتيارات الشيوعية الذين لا يؤمنون بفكرة «المواطنة» بمفهومها الوطني.
ما هى الأسباب الفكرية والسياسية التى جعلت هذه التيارات تنتقد تجربة يوليو بهذا العنف؟
السبب الرئيسى وراء الموقف العدائى لجماعة الإخوان الإرهابية من ثورة 23 يوليو يتمثل فى فشل مشروعها السياسي، لقد أرادوا توظيف الثورة لخدمة أجندتها، وتحقيق مشروعها فى التمكين إلا أن هذا المسار لم ينجح وأسست ثورة 23 يوليو لدولة وطنية مستقلة ذات سيادة، وهو ما يتنافى تماما مع أيديولوجيا الإخوان الإرهابية، لهذا تحولت ثورة 23يوليو فى نظرهم من «حلم تمكين» إلى «كابوس مزعج»، وأدخلتهم فى نفق مظلم وصدام مع الدولة استمر لسنوات طويلة بعد حادثة المنشية عام 1954 التى حاولوا فيها اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر.
هل ترى تشابها بين موقف إخوان الإرهاب من ثورة 23 يوليو وموقفهم من ثورة 30 يونيو؟
الموقف يكاد يكون متطابقا مع اختلاف السياق الزمنى لكل منهما، فكما حاولوا ركوب موجة فى ثورة 23 يوليو لتنفيذ أجندتهم، حاولوا أيضا بعد أحداث 25 يناير 2011 وصولا إلى ثورة 30يونيو 2013 وتطويع التحرك الشعبى لصالح «التمكين» الإخوانى الإرهابي، وكما أوقفت المؤسسة العسكرية حلمهم فى 1952، تدخلت مرة أخرى فى 2013 انحيازا للإرادة الشعبية وحماية لعقيدة الدولة الوطنية ضد الجماعة المتطرفة، 30يونيو قطعت الطريق على مشروع التمكين المزعوم، فكان العداء للدولتين «يوليو ويونيو» نابعا من نفس المنطلق الفكري.
كيف تنظر هذه التيارات إلى مفهوم “الدولة الوطنية” مقارنة بـ “الدولة” فى أدبياتهم السياسية؟
حسن البنا كان شخصية «ماضوية» يرى أن كل ما أنتجه الفكر الإنسانى الحديث هو مضاد للدين، ولا يؤمن بـ «الدولة الوطنية»، بل بـ «الأممية» وفكرة «الخلافة» وما زالوا حتى اليوم بهذا الفكر، كما جاء فى «وثيقتهم الفكرية» التى صدرت قبل عامين، ينظرون للدولة الوطنية كمنتج استعمارى يهدف إلى تفتيت وحدة الأمة، مما يجعلهم «خصوما للوطن» فى كل العصور.
هل تغير خطاب الإسلام السياسى تجاه ثورتى “يوليو” و”يونيو” خلال السنوات الأخيرة؟
خطاب جماعة الإخوان الإرهابية تجاه ثورتى 23 يوليو و30 يونيو لم يشهد تغيرا جوهريا خلال السنوات الأخيرة، لا يزال موقفها قائما على رفض ثورة 30 يونيو وعدم الاعتراف بها باعتبارها حركة شعبية، فالخطاب لم يتغير، وما زالوا يرفضون الاعتراف بشرعية 30 يونيو او اعتبارها حركة شعبية خالصة، فهم أسرى لحظة فشلهم السياسى فى 2013 ولم يتجاوزوها على الإطلاق.
هل يمكن التعامل مع كافة تيارات الإسلام السياسى ككتلة واحدة فى هذا العداء؟
فى عام 1952 كانت جماعة الإخوان الإرهابية تمثل التنظيم الأبرز فى تيار الإسلام السياسي، بينما يشهد الواقع الحالى تعددا فى الفصائل والتنظيمات التى تنتمى إلى هذا التيار، لكنها جميعا تدور فى دائرة فكرية واحدة ترى أن الدولة الوطنية مخالفة للإسلام، الاختلاف بينهم فقط فى «المسارات»، فمنهم من يجاهر بالعنف، ومنهم من يستخدم العنف تحت ستار، ومنهم من يناور سياسيا ويضع «أقنعة» تجميلية لخطابه، لكن الجوهر واحد وهو رفض الدولة الوطنية.
كيف وظفت الجماعة وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعى فى إعادة تشكيل خطابها العدائى؟
بعد أن أنهت مؤسسات الدولة وجودهم العملى على الأرض، لجأوا إلى «الإعلام البديل» ووسائل التواصل الاجتماعى لبناء «سردية كاذبة»، هم يستهدفون الأجيال الجديدة مثل جيل زد وجيل ألفا الذين لم يعاصروا أحداث 2011 و2013، فيحاولون تصوير رفضهم لـ 30 يونيو على أنه رفض لنتائجها، بينما الحقيقة أنهم يرفضون «الدولة» ذاتها، لذا على الدولة الوطنية أن تستمر فى عرض سرديتها الصحيحة للأجيال التى لم تعش تلك الأحداث، حتى تكون لديها صورة متكاملة تستند إلى الوقائع والتاريخ.
إن الخلاف بين نظام الحكم وهذه الجماعات هو خلاف على “وقائع تاريخية” أم صراع على “هوية الدولة”؟
أن الخلاف لا يتعلق فى جوهره بأنظمة الحكم أو بالأشخاص، إنما الخلاف مع «الدولة» ككيان ومعني، هم خصوم للوطن بمكوناته كافة، سواء المؤيدون أو المعارضون، فجماعات الإسلام السياسى لا يتعارض مع نظام بعينه، وإنما يرفض الأساس الذى تقوم عليه الدولة الوطنية، ولذلك فإن خلافها حول 23 يوليو و30 يونيو يتجاوز الوقائع التاريخية إلى طبيعة الدولة المصرية وهويتها ودورها، وهو صراع ممتد طالما بقيت هذه الأيديولوجيات المتطرفة التى تناهض فكرة الوطن.









