لا يمكن لأحد إنكار أن ثورة يوليو 1952 حققت مكاسب اقتصادية واجتماعية كثيرة فى حياة المصريين.. نقلت الكثيرين منهم إلى مستويات أفضل، سواء فى مستوى المعيشة أو التعليم، وحققت العدل والمساواة فى مجتمع عامل منتج يحفظ كرامة الإنسان ويمنحه الأمل للارتقاء فى سلم الحياة.
انتقلت حياة الكثيرين من حياة الفقر والعوز وربما الاستعباد لدى ملاك الأراضى والرأسمالية المستغلة، إلى تطلعات لتنشئة أجيال جديدة أسعد حظاً فى ظل التوسع فى التعليم وإنشاء المدارس والجامعات وتحقيق العدالة الاجتماعية والحفاظ على حقوق العمال والنهوض بالمرأة ومشاركتها للرجل فى العمل باعتبارها نصف المجتمع، والقضاء على السُخرة وخدمة الفتيات فى المنازل وتعليمهن لكي يعملن فى المصانع والمستشفيات التى شيدتها فى إطار خطط خمسية وفرت المدارس والوحدات الصحية الريفية، وساهمت فى الارتقاء بالريف عبر توفير الكهرباء والمياه النقية والصرف الصحي.
كما اهتمت ببناء المساكن الشعبية وتأمين الناس فى بيوتهم عبر القوانين الثورية، كما اهتمت بالثقافة والوعى المجتمعى بنشر قصور الثقافة والمكتبات وتيسير الحصول على أجهزة التليفزيون الذى نقل من خلال إعلامه وبرامجه توجهات الدولة فى كل مبادئها الاشتراكية ومجتمع الكفاية والعدل والتصدى للرجعية والثورة المضادة والحفاظ على المكاسب التى تحققت وفقاً لأهدافها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
>>>
بالتأكيد، كان من الصعب أن تستمر تلك المكاسب الاقتصادية والاجتماعية على نفس المستوى والكفاءة، فى ظل متغيرات كثيرة طرأت على المستويين الداخلى أو الخارجي، كان لها تأثيراتها.. أذكر على الأقل منها الزيادة السكانية الهائلة على مدى سبعة أو ثمانية عقود من عمر الثورة فى ظل موارد اقتصادية محدودة لم تتزايد بنفس المعدل الذي يلبى احتياجات الناس الضرورية، خاصة فى مجالات توفير الدعم اللازم لضمان توفير تلك المطالب أو الطموحات فى الغذاء أو التعليم أو التشغيل أو العلاج أو السكن.
لكن من الأمانة أن نذكر أن كل الحكومات التى تعاقبت على مدى هذه السنين من عمر الثورة الأم، حافظت قدر الإمكان والمستطاع على كثير من تلك المكتسبات الثورية التى تحققت فى بداياتها.. ولكن كان من الطبيعى المواءمة والاستفادة من الخبرات والتجارب المحلية والعالمية من أجل استمرارية هذه المكاسب وفقاً للظروف والمتغيرات وبما لا يؤثر على مواكبة ما يحدث فى العالم من تطور سواء جودة الخدمات المقدمة للمواطن أو أسلوب إدارتها أو الكلفة الاقتصادية وحوكمتها، بل يحافظ على استمراريتها وعدم توقفها كما حدث على سبيل المثال فى بعض وسائل النقل.
كان لابد من فكر جديد لا يخضع للجمود الثورى أو الاشتراكى الذى كان مناسباً لفترة معينة من عمر الثورة.. ولكنه كان من الصعب استمراريته ليصل إلى حد التشبث بسياسات غير مناسبة للتطور الحادث فى المجتمع على كل المحاور والاتجاهات.
بصراحة أكثر، فإننى أشعر بالدهشة هذه الأيام من موقف البعض من توجه الحكومة فى تقليص الدعم ومحاولة وصوله لمستحقيه.. للأسف، إن بعض الأصوات العالية تحاول عرقلة جهود الحكومة فى تنقية المستحقين للبطاقات التموينية أو كروت الخبز.. ولا أتصور على سبيل المثال أسرة تدفع لتلميذين فى المدارس الخاصة نحو 60 أو 70 ألف جنيه سنوياً مصاريف دراسية، وتنتظر أن تدعمها الحكومة ببطاقة تموينية تمنحها 200جنيه شهرياً!!
أتصور أن العدالة الاجتماعية التى أرستها ثورة يوليو 1952 لم تغب عن فكر دولة ثورة 30 يونيو 2013 وقيادتها السياسية التى تعاملت مع الشعب المصرى كأمة واحدة تلتقى عندها المسئولية المشتركة فى أداء كل مصرى لواجباته قدر استطاعته وظروفه ونيل حقوقه فى العيش الكريم، فى ظل احترام الجميع لسيادة القانون دون تفرقة أو استثناء، وتحقيق التنمية الشاملة ومواجهة المشكلات بحلول جذرية ناجعة مثلما حدث فى التصدى لمشكلة العشوائيات والسعى لتطبيق التأمين الصحى الشامل بحلول عام 2030، وينعم المصريون الآن بأكبر شبكة طرق ومحاور قضت على مشكلة الاختناقات المرورية وفتحت المجال لمشروعات التنمية ومصاحب لها وسائل نقل حضارية مثل شبكة مترو الأنفاق التى تغطى أرجاء القاهرة الكبرى وتتوجه نحو الاسكندرية ومحافظات أخرى فى المستقبل.
>>>
باختصار، إن مكاسب ثورة يوليو التى حققت قدراً كبيراً من العدالة الاجتماعية ووفرت الحياة الكريمة للمصريين، لم تغب أو تضيع، ولكنها تأخذ الآن أشكالاً أخرى تتلاءم مع تطور الزمن وتواكب عجلة الحياة ويبقى العمل والإنتاج الضمانة الحقيقية لتقدم الشعوب.









