فى وقت تتصاعد فيه تداعيات الحرب فى الشرق الأوسط على اقتصادات المنطقة بأكملها.. يقدّم الاقتصاد المصرى نموذجاً لافتاً فى القدرة على امتصاص الصدمات، متجاوزاً بذلك توقعات كثير من المراقبين الذين راهنوا على تعثر أرقامه مع تصاعد حدة التوترات الإقليمية.
الأرقام هنا لا تجامل أحداً، وهى التى تحسم الجدل بشكل موضوعي.. فقد سجل صافى احتياطى النقد الأجنبى لمصر مستوى قياسياً غير مسبوق، متجاوزاً حاجز الخمسة وخمسين مليار دولار بنهاية يونيو الماضي، وهو رقم لم تصل إليه مصر من قبل حتى فى سنوات الاستقرار النسبى التى سبقت الحرب.. هذا الاحتياطى لم يأتِ من فراغ، بل ثمرة تضافر مصادر متعددة للعملة الصعبة، أبرزها تحويلات المصريين العاملين بالخارج التى قفزت بنسبة تفوق 30 ٪ لتقترب من ثلاثة وأربعين مليار دولار، فى مؤشر على ثقة المصريين فى الخارج بمسار بلدهم الاقتصادي، رغم كل ما يحيط بالمنطقة من اضطراب.
القطاع السياحى بدوره لم يتوقف رغم الحرب، بل واصل نموه بثبات لافت.. إذ استقبلت مصر تسعة ملايين سائح خلال الأشهر الستة الأولى من العام، بزيادة 4 ٪ على العام الماضي، فيما تشير التوقعات إلى أن العام كله قد يشهد استقبال ما يقارب عشرين مليون سائح.. هذا الصمود السياحى فى ظل حرب إقليمية مشتعلة يستحق التوقف، فالسياحة عادة ما تكون أول القطاعات تأثراً بأى اضطراب أمنى فى المنطقة، ومع ذلك واصلت نموها بفضل إعادة توجيه الحملات الترويجية نحو أسواق أكثر استقراراً، وتنويع المقاصد والمنتج السياحى المصري.
على مستوى النمو، رفع صندوق النقد الدولى توقعاته لأداء الاقتصاد المصري، متوقعًا معدل نمو يصل إلى 4.7 ٪، بعد أن كانت التوقعات السابقة أقل، وهو تعديل يعكس تقدير المؤسسات الدولية لصلابة السياسات الاقتصادية التى اتبعتها الحكومة.. ومديرة الصندوق نفسها أشادت بالإجراءات المصرية، ووصفتها بأنها نموذج للسياسات المسؤولة التى جمعت بين الانضباط المالى والحفاظ على الحماية الاجتماعية لأصحاب الدخل المحدود، وهى معادلة صعبة يصعب على كثير من الاقتصادات النامية تحقيقها فى ظروف مشابهة.
بالطبع، لا يعنى هذا أن الطريق خالٍ من التحديات.. أعباء خدمة الدين الخارجى ما زالت تمثل ضغطاً حقيقياً، والتقلبات الاقتصادية العالمية تفرض حالة من الحذر المستمر، كما أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يضع اختبارات جديدة أمام معدلات النمو المستهدفة.. لكن ما يميز التجربة المصرية هذه المرة أنها تواجه هذه التحديات من موقع أقوى نسبياً مقارنة بأزمات سابقة، بفضل تنويع مصادر النقد الأجنبي، وعدم الاعتماد الكلى على قناة واحدة كالسياحة أو التحويلات فقط.
الخلاصة، أن الاقتصاد المصرى أثبت فى هذه المرحلة أنه لم يعد اقتصاداً هشاً يتأثر بأول هزة إقليمية، بل بات أكثر قدرة على التكيف والمرونة، وهى دلالة مهمة لصانع القرار وللمستثمر على حد سواء، بأن مصر تسير فى مسار بناء اقتصاد أكثر تحصيناً فى وجه المتغيرات الجيوسياسية المتلاحقة التى تشهدها المنطقة









