«لا كرب بعد اليوم» صيحة نبوية لحظة دنو أجله صلى الله عليه وسلم وقبل أن تصعد روحه الطاهرة إلى بارئها، الشاهد من هذه العبارة هو أن الكبد والمعاناة والعذاب والمشاكل والكوارث والضيق والخوف والقلق فيما يمكن أن نختزله جميعا فى كلمة «كرب» والتى تخبرنا كتب المعاجم عن معناها: الحُزْنُ والغمُّ يأْخذ بالنَّفْس، والجمع: كُرُوب، كل هذا الكرب لن يختفى إلا بعد الرحيل الأبدي، سنظل نعانى ونكابد ما حيينا وسنظل نتخطى الكربات إلى ان نصل إلى خط النهاية، من هنا وبهذا الفهم العميق للحياة والمكابدة اكتب واقول غير عابئ بغير مراقبة الله فى السر والعلانية، أنظر إلى حالنا فأجد أناساً يقطرون إخلاصا ووعيا، وآخرين لا يهتمون إلا باللقطة، وفى كل الاحوال استمد طاقتى من الايمان بالله ومن المعين الذى لا ينضب من الوطنية المصرية التى يجسدها الرئيس السيسى، ومن يتابع كلمات الرئيس ومداخلاته، فى الداخل أو خلال زياراته الخارجية، يكتشف سياقًا فكريًا واحدًا يغلب عليه الإيمان الحقيقي، بعيدًا عن الكلمات الجوفاء الخالية من المضامين. هو الرئيس الذى يبكينا فى لحظات الفرح، حتى لا تأخذنا نشوة الإنجاز، ولا نفقد عقولنا بفعل سكرات النفاق والإطراء. وهو نفسه الذى يطمئننا حين تتصاعد نوبات القلق، ويضحك من قلبه باعثًا فى أوصالنا التفاؤل والطمأنينة.
وهو الرئيس الذى يغضب بشدة حين يرى فسادًا أوإهمالًا أو تربحًا، ويداعب أبناءنا الطيبين من ذوى الهمم كأب أو جد حانٍ، ويواجه أعنف المخططات الخارجية بصبر إستراتيجى وتوازن محسوب. يجلس مع قادة الجنوب، ثم يتحاور مع زعماء الشمال، ويفتح لمصر نافذة هنا، ويبنى لها جسرًا هناك، من دون أن يرهن قرارها لأحد أو يسمح بوضعها داخل معسكر مغلق.
فالزيارات الخارجية عند الرئيس السيسى ليست رحلات بروتوكولية أو صورًا تذكارية تُلتقط أمام الاعلام، بل حلقات متصلة فى مشروع وطنى يتحرك فى كل اتجاه. إن السياسة الخارجية فى عقله امتداد لعملية البناء فى الداخل؛ لأن الدولة التى تريد حماية قرارها الوطنى لابد أن توسع دوائر حركتها، وتنوّع شراكاتها، وتثبت حضورها بالفعل لا بالشعارات.
وكانت زيارته الأخيرة إلى تنزانيا ترجمة واضحة لهذا المعني. فقد عاد الرئيس إلى دار السلام بعد زيارته عام 2017، ليجتمع بالرئيسة سامية صلوحو حسن، مؤكدًا أن العلاقات بين مصر وتنزانيا لم تعد مجرد ذكريات أفريقية عزيزة، وإنما شراكة إستراتيجية قائمة على المصالح والمشروعات والتنمية المشتركة. وشهدت الزيارة توقيع مذكرتى تفاهم فى مجالى النقل والكهرباء والطاقة المتجددة، إلى جانب مناقشة التعاون فى الزراعة والموانئ والطرق والمناطق اللوجستية والبنية الأساسية. وفى دار السلام لم يتحدث الرئيس بلغة الأمنيات، وإنما بلغة التنفيذ. استند إلى النجاح المصرى الكبير فى تشييد سد جوليوس نيريري، ذلك المشروع العملاق الذى أصبح شاهدًا على قدرة الشركات المصرية على الإنجاز خارج الحدود، ثم طرح آفاقًا أوسع: استصلاح أراضٍ لتحقيق الأمن الغذائي، وتطوير ميناء دار السلام، وإنشاء خط ملاحى بين ميناءى سفاجا ودار السلام، وإقامة ممر متعدد الوسائط يربط القاهرة بشرق أفريقيا. إنها دبلوماسية تبنى وتزرع وتولد الكهرباء وتشق الطرق، ولا تكتفى بصياغة البيانات وحسن التقاط الصور.









