أدّت التوترات الجيوسياسية المتصاعدة فى منطقة الشرق الأوسط، والمتمثلة فى عودة التهديدات والاضطرابات المباشرة التى تواجه حركة الشحن عبر مضيق هرمز، إلى إعادة تسعير عنيفة لأسواق الطاقة الدولية.
البداية مع قطاع الطاقة الذى بات يشهد قفزة قياسية لأسعار البترول والغاز المسيّل تضرب الأسواق، إذ قفزت أسعار خام برنت لتتجاوز حاجز 86 دولاراً للبرميل، مسجّلة زيادة أسبوعية بلغت نحو 13 ٪، وهى الحركة السعرية الأكبر فى دورة الصراع الحالية.
فى الوقت نفسه، ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكى بنسبة 2.4 ٪ ليصل إلى مستوى 80.99 دولاراً للبرميل، ويعكس هذا الارتفاع السريع مخاوف حقيقية من تعطُّل التدفقات فى المضيق، الذى يمر عبره ما يقرب من 20 ٪ من إجمالى إمدادات البترول والغاز الطبيعى المسال فى العالم.
ولم تتوقف الصدمة عند البترول الخام، بل امتدت بقوة إلى قطاع التكرير، حيث سجل هامش تكرير الديزل مقابل خام برنت رقماً قياسياً غير مسبوق بالوصول إلى 66.25 دولاراً للبرميل، مقارنة بالمستويات الطبيعية التى تتراوح عادة بين 15 و30 دولاراً، وجاء هذا الارتفاع الحاد مدفوعاً بالإغلاق الجزئى للمسارات البحرية وتراجع العمليات فى بعض مصافى البترول الكبرى بالخليج. وتواجه الأسواق الآسيوية الضرر الأكبر فى هذا الجانب، نظراً لأنها تستهلك أكثر من 80 ٪ من إجمالى البترول والغاز المار عبر مضيق هرمز.
فى قطاع أسواق المال والمعادن النفيسة نجد أن الذهب يتراجع تحت وطأة الفائدة وسندات اليورو ترتفع، و على عكس السلوك التاريخى المعتاد للذهب كملاذ آمن خلال الأزمات، سلك المعدن الأصفر مساراً هبوطياً مفاجئاً، حيث انخفضت أسعار الذهب الفورية بأكثر من 2 ٪ لتستقر عند مستويات قريبة من 4027 دولاراً للأونصة، وجاء هذا التراجع مدفوعاً بتركيز أسواق المال على التداعيات التضخمية لقفزة البترول، مما عزّز التوقعات بأن يبقى مجلس الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وارتفعت الرهانات فى السوق بنسبة 70 ٪ على إمكانية قيام الفيدرالى برفع الفائدة مجدداً فى اجتماع سبتمبر المقبل، مما دعم قوة الدولار وعوائد سندات الخزانة، وأضعف جاذبية الذهب.
وفى أوروبا، واجهت أسواق السندات ضغوطاً ملموسة، حيث تراجعت عوائد سندات حكومات منطقة اليورو، مدفوعة بزيادة رهانات المستثمرين على أن البنك المركزى الأوروبى سيضطر إلى رفع أسعار الفائدة بأكثر من مرة خلال العام الجارى للسيطرة على التضخم الناتج عن انتعاش أسعار الطاقة، وارتفعت احتمالية تنفيذ زيادة ثانية فى الفائدة الأوروبية قبل نهاية العام، مقارنة بتوقعات سابقة كانت تشير إلى زيادة واحدة فقط.
على صعيد آفاق الاقتصاد الكلي، هناك تهديد مستمر لمعدلات النمو العالمي، إذ أشارت تقارير حديثة لصندوق النقد الدولى والاتحاد الوطنى للمؤشرات الاقتصادية إلى أن هذه الاضطرابات تهدد بوقف زخم النمو الاقتصادى العالمى الذى كان مقدراً له أن يصل إلى 3.4 ٪ لعام 2026 قبل اندلاع هذه الجولة من التصعيد، ويؤكِّد الخبراء الاقتصاديون أن كل زيادة بمقدار 10 دولارات فى سعر برميل البترول قادرة على خفض معدل النمو العالمى بنسبة تتراوح بين 0.2 و0.3 نقطة مئوية.
علاوة على ذلك، حذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائى من أن استمرار التصعيد العسكرى قد يكلف اقتصادات الدول العربية خسائر تتراوح بين 3.7 ٪ و6.0 ٪ من ناتجها المحلى الإجمالى الإجمالي، وهو ما يعادل خسارة مالية مباشرة تتراوح بين 120 و194 مليار دولار، فضلاً عن احتمالية دفع قرابة 4 ملايين شخص نحو خط الفقر ورفع معدلات البطالة بمقدار 4 نقاط مئوية كاملة.









