السفير عاطف سيد الأهل
مازالت الخريطة السياسية الحالية فى إسرائيل غير مستقرة لا فى الائتلاف ولا فى المعارضة، بل لم يكن المشهد السياسى الإسرائيلى مستقرا على مدى تاريخها، فمنذ قيام الدولة عام 1948 وحتى الآن كان متوسط عمر الحكومات الإسرائيلية 1,9 سنة، فهناك حكومات استمرت لشهور فقط، وبعضها يكاد يتجاوز 12 شهرا، وأول حكومة استمرت 3 سنوات متواصلة كانت الحكومة السابعة لإسرائيل (1955 – 1958) وعادت الأمور إلى ماكانت عليه من حكومات قصيرة الأجل حتى الحكومة الثالثة عشرة (1966 – 1969) التى استمرت ل3 سنوات أيضا، أما أول حكومة استمرت لما يزيد قليلا على أربع سنوات فقد كانت حكومة جولدا مائير «1969 – 1974 » ، هذا وقد شهدت الفترة من 2019 – 2021 إجراء 4 انتخابات غير حاسمة .
فمكانة رئيس الحكومة الإسرائيلية فى الفترة من 1949 وحتى 1996 كانت الأول بين متساوين بمعنى أن له صلاحيات تعيين الوزراء وليس لديه صلاحيات اقالتهم، واستمر هذا الوضع حتى عام 1981 ( وهو تاريخ إصدار قانون صلاحيات رئيس الوزراء)، وخلال الفترة من 1996 – 2001 كان يتم انتخاب رئيس الوزراء الإسرائيلى من الشعب مباشرة دون قوائم حزبية أو تكليفات من رئيس الدولة، وله حق اخيار وزرائه واقالتهم، واستمر هذا الوضع فترة حكم بنيامين نتنياهو (أول مرة كرئيس وزراء عام 1996، ومن بعده إيهود باراك 1999 وتلاه شارون 2001 ) وبعد ذلك تمت العودة إلى النظام القديم بانتخابات حزبية لافردية مع صلاحية تعيين وزراء واقالتهم..وصلاحيات واسعة لرئيس الحكومة لممارسة مهامه.
النظام الانتخابى فى إسرائيل هو نظام مركّب، يتم فى اطار دائرة واحدة انتخابية، وقوائم حزبية، وضرورة حصول الحزب على مايسمى نسبة الحسم للحصول على مقاعد فى الكنيست وهى نسبة 3,5 % من إجمإلى الأصوات، الأمر الذى يستدعى اندماج الأحزاب الصغيرة داخل الأحزاب الكبيرة للحصول على مقاعد فى الكنيست.
تعتبر الحكومة التى تفشل فى إقرار ميزانية الدولة قبل نهاية شهر مارس من كل عام مستقيلة، ويستخدم هذا البند دائما فى ضغوط بعض القوى الحزبية على رئيس الوزراء لتمرير متطلباتها أو الامتناع عن إقرار الميزانية وإسقاط الحكومة، كما لوحظ أن أى حكومة إسرائيلية تقوم بالتفاوض مع الفلسطينيين تتعرض للانهيار نتيجة انسحاب بعض أحزاب الائتلاف اعتراضا على التفاوض، ومنها حكومات شارون وباراك واغتيال رابين ..وغيرها
ومن واقع رؤية الوضع الحإلى للمشهد السياسى الإسرائيلى يمكن القول :
-أن هناك تبادل اتهامات بين المعارضة والحكومة الإسرائيلية على نتائج الحروب التى خاضها نتنياهو فى غزة، وإيران ولبنان واليمن وسوريا، وعدم تحقيق هذه الحروب أهدافها.
– إن القاسم المشترك بين أحزاب المعارضة هو العمل على اسقاط بنيامين نتنياهو، وهى فى الأساس منقسمة على نفسها، ولم تقدم بديلا سياسيا واضحا، كما أن بينها صراعات على من سيتصدر الموقف.
-أن هناك اختلافات جذرية بين الحكومة والمعارضة حول مسألة تجنيد الحريديم، كما أن الجيش الإسرائيلى أصبح طرفا فى هذه المسألة حيث حذر رئيس الأركان الإسرائيلى ايال زامير من أن القانون المقترح للإعفاء المتكرر للحريديم دارسى التوراة من الخدمة العسكرية، وقانون وقف اعتقال الحريديم المتهربين من الخدمة يعد بمثابة حافز لعدم الالتحاق بالخدمة العسكرية فى ضوء استنزاف الجيش الإسرائيلى والضغط المتواصل على جنود الاحتياط والإصابات والخسائر .
-بدء تحركات واسعة لتشكيل أحزاب جديدة، أو ضم حركات سياسية لأحزاب قائمة، فقد أجرى أفيجدور ليبرمان رئيس حزب إسرائيل بيتنا اتصالات سرية مع حركات ومنظمات تشكلت فى إسرائيل ابان الحرب لتشكيل تحالف جديد يخوض به الانتخابات المقبلة، ومنها منتدى الحريديم المندمجون، وحزب الاحتياط الذى يتزعمه بوعاز هندل، وحركة يقودها رئيس جهاز الإطفاء الإسرائيلى.
وفى نفس الوقت قام بوعاز هندل بضم المنشق عن حزب ابيض ازرق «حزب بينى جانتس» هيلى تروبر، والسيدة مريم بيرتز الحاصلة على جائزة إسرائيل لفقدانها نجلين ضابطين فى حرب غزة، وأعلن دخوله الانتخابات المقبلة بهذه التشكيلة، وشكل يولى أدلشتين _ رئيس لجنة الأمن والخارجية السابق فى الكنيست، والذى انسحب من الليكود بعد ازاحة نتنياهو له نتيجة موقفه من قانون تجنيد الحريديم وتعيين بوعاز بيسموت مكانه – مع ايليت شاكيد وزيرة العدل السابقة، ومعهم جلعاد اردان مندوب إسرائيل السابق فى الأمم المتحدة حزبا جديدا، أسفرت استطلاعات الرأى عن توقع حصوله على 6 مقاعد فى الانتخابات المقبلة خصما من حصة نتنياهو والآخرين.
ويسعى كل من موشيه فيجلين وميخائيل بن آرى لتشكيل حزب جديد أيضا.
كما سبق أن شكل نفتإلى بينت ويائير لابيد _ رئيسى الحكومة السابقة بالتبادل _ حزبا جديدا اسمه معا « ياحاد» وقد حصل فى آخر استطلاعات للرأى 15 مقعدا، وهما يسعيان للتحرك لتنظيم تكتل للانتخابات المقبلة.
وحصل حزب بن جفير «قوة إسرائيل» على 8مقاعد فى استطلاعات الرأى، بينما لم يتجاوز حزب الصهيونية الدينية لسموتريتش على نسبة الحسم اللازمة لدخول الكنيست.
ويسعى بنيامين نتنياهو إلى الحصول على صلاحية اختيار 8 أسماء يختارها بنفسه فى قائمة الليكود للانتخابات يخصص منها أربعة اماكن لحزب سموتريتش ضماناً لتواجده فى الكنيست المقبل، وتحسبا لسقوط سموتريتش فى الانتخابات.
طرح نتنياهو فكرة تشكيل حكومة وحدة وطنية فى الانتخابات المقبلة ورفضتها المعاضة بل وعدد من قادة الائتلاف معه.
فى ضوء استطلاعات الرأى، والتحركات الحزبية من تركيب أحزاب وتفكيك أحزاب أخرى نتوقع أن تكون المنافسة فى النتخابات المقبلة بين حزب الليكود بزعامة نتنياهو، وحزب يشار بزعامة جادى ايزنكوت، فالأول لن يقبل انتقال السلطة منه فى الانتخابات المقبلة ولن يوفر وسيلة لذلك، ولربما يسعى إلى إشعال حرب يؤجل بها الانتخابات، أو يعرقل تشكيل ائتلاف لايتضمنه كما حدث فى انتخابات 2019 غير الحاسمة.
والثانى مقبول كقائد عسكرى بين الإسرائيليين، يعتمد على تأييد واسع، فهم يرونه أنه فقد نجله الضابط الذى قتل فى حرب غزة كما فقد اثنين من الضباط نجلى شقيقه، ولكن ماقد يعترض طريقه أنه من أصول شرقية، ولم يحدث فى تاريخ إسرائيل أن تولى رئاسة الوزراء شخص من أصول شرقية، وفيما يلى عرض لكيهما :
بنيامين نتنياهو: 18 عاما فى منصب رئيس الوزراء، متهم فى 3 قضايا فساد، وحكم من المحكمة الجنائية الدولية بارتكابه جرائم حرب، بنى مجده الشخصى على كذبة مفهوم توفير الأمن، وعدم إقامة دولة فلسطينية، وتهجير الفلسطينيين، وزعم تحسين مكانة إسرائيل الدولية، وتحقيق النصر الشامل على الأعداء، وأصر فى بدايات الحرب على تحقيق النصر المطلق ثم اجبر على تعديل مصطلحاته إلى أن الحرب بعيدة عن النهاية، ويعانى نتنياهو من صراعات داخل حزبه، وواجه انتقادات شديدة بشأن طريقة إدارته للحرب وتعامله مع قضية الأسرى ووقوعه تحت وصاية ترامب، وتسببه فى تآكل الدعم التاريخى للشعب الأمريكى تجاه إسرائيل، وعزلتها فى العالم، فضلا عن مساهمته فى التفكك البطىء للعقد الاجتماعى الذى قامت عليه إسرائيل من خلال التعديلات القضائية، ومسئوليته عن أحداث 7 أكتوبر 2023.وقد هوجم أيضا فى وسائل الاعلام الإسرائيلية خاصة مقالة الصحفى الإسرائيلى آرى شافيط فى هاآرتس 14 مايو 2026 تحت عنوان «إسرائيل تلفظ انفاسها الأخيرة»، وأيضا مقال المحللة الصهيونية كارولينا ليندسمان فى هاآرتس والتى ذكرت أن نتنياهو سيرحل ولكن البلاد ستموت معه، فكل انجازاته فى تفكيك البلاد لاتنكر، وأنه تمكن من تدمير كل شىء..
جادى ايزنكوت من مواليد 1960، تولى رئاسة الأركان خلال الفترة من 16 فبراير 2015 – 15يناير 2019، وهو صاحب مايسمى «استراتيجية الضاحية» والتى تقوم على تدمير كل شىء فى الحرب، على أساس أن سكان المدن التى بها قوة مقاومة عسكرية ليسوا الا محاربين أيضا باعتبارهم بيئة حاضنة للمقاومة، أى تطبيق العقاب الجماعى وتأليب السكان ضد المقاومين.
لايختلف عن نتنياهو فى الأهداف الاستراتيجية، ولكن يختلف معه فى حدود استخدام القوة العسكرية، وفى رفض إغلاق الأفق السياسى، آخر استطلاع للرأى حصل حزبه يشار « مستقيم » على 23 مقعدا مقابل 22 لليكود، كما أن 46 % من المستطلعين يرونه الأنسب لمنصب رئيس الوزراء مقابل 36 % لنتنياهو
فى حال انتخابه رئيسا للوزراء سيكون أول رئيس للوزراء من أصول شرقية «أصوله مغربية»
سارعت حكومة نتنياهو فى الفترة الأخيرة لتمرير مجموعة من القوانين قبل انتهاء ولاية الكنيست الحإلى فى 17 يوليو 2026 وخروجه إلى العطلة التى تسبق الانتخابات، ولضمان سريان مشروعاتها للسنوات المقبلة تحسبا لنتائج الانتخابات، ومنها مشروع قانون تشكيل لجنة تحقيق فى أحداث 7أكتوبر 2023 قاطعتها المعارضة واعتبرتها لجنة تستر سياسى هدفها حماية نتنياهو وحلفائه من المساءلة عن أكبر هزيمة فى تاريخ إسرائيل، كما هاجمه أيضا مايسمى مجلس أكتوبر الذى يضم نحو مايزيد على 1500 عائلة قتلى وجرحى وأسرى 7 أكتوبر .
كما صادق الكنيست بالقراءة الأولى فى 4يوليو الجارى على مشروع قانون يمنح «دراسة التوراه» مكانة دستورية وهو مايعزز الحماية القانونية لطلاب المدارس الدينية اليهودية ومنح تأجيلات متكررة لهم حتى بلوغ سن الإعفاء 26 سنة.هذا فضلا عن قانون الغاء اصلاح الكشروت «الأحكام والشرائع الغذائية اليهودية»، وزيادة ميزانية مايسمى الهوية اليهودية 200 مليون شيكل ضمن خطة تمتد بين 2026 – 2028 تضاف إلى ميزانية قائمة ب82 مليون شيكل لمديرية الهوية اليهودية التابعة لمكتب نتنياهو إضافة إلى 60 مليون شيكل لبند الثقافة اليهودية، ومئات الملايين الأخرى مخصصة لوزارات التراث والمهمات القومية، وتحديد مبلغ 2,75 مليار شيكل لخطة خمسية فى الميزانية للمستوطنات فى الضفة الغربية، وغيرها.. سواء استمرت الحكومة الحالية أو تغيرت بائتلاف آخر فالسياسة الإسرائيلية ثابتة فيما يتعلق بالإجرام ضد قطاع غزة أو جنوب لبنان أو إيران أو القضية الفلسطينية، فالقاعدة العامة أن إسرائيل تريد غزة بلا سلاح ولا سيادة ولا إعمار رغم كل التطورات الأخيرة ومنها استقالة لجنة حماس الادارية أو حكومة حماس فى القطاع… أو ما يتعلق بإيران حيث لم توافق ولم تشارك إسرائيل فى الاتفاق الإيرانى الأمريكى وتعمل على عرقلة تنفيذه، وتعتبر إيران تهديدا وجوديا وتتفق فى ذلك المعارضة والحكومة كما ان تقديرات إسرائيل ان القيادة الإيرانية الجديدة اكثر تشددا واقل قابلية للتنبوء مما يضاعف تحديات الردع الإسرائيلى.
وفيما يتعلق بسوريا هناك مسار تفاوضى مع إسرائيل بدأ منذ منتصف 2025 بوساطة امريكية وقد اتفق الجانبان فى يناير 2026 على إيجاد جهاز اتصال لتبادل المعلومات والاستخبارات بين البلدين.
ومن المتوقع أن تستمر إسرائيل فى دعم الدروز وتعزيز نفوذها فى سوريا مقابل النفوذ التركى.
أما لبنان فعلى الرغم من عقد 6 جولات مفاوضات برعاية أمريكية الا أن إصرار إسرائيل على عدم الانسحاب من جنوب لبنان تحت دعاوى حماية مناطقها الشمالية وإصرارها على نزع سلاح حزب الله فضلا عن أن الاتفاق الموقع بين لبنان وإسرائيل فى 26 يونيو لم يحدد جدولاً زمنياً للانسحاب ولم تلتزم إسرائيل بوقف إطلاق النار، فمن المتوقع ان يستمر الموقف الإسرائيلى كما هو بصرف النظر عن استمرار حكومة نتنياهو أو غيرها.









