أحيانًا تتحدث الدول بالمشروعات أكثر مما تتحدث بالبيانات الرسمية. ولهذا لم تكن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى تنزانيا مجرد محطة دبلوماسية، بل رسالة سياسية تقول إن القاهرة اختارت طريقًا جديدًا لتعزيز حضورها فى إفريقيا، يعتمد على الاقتصاد والتنمية أكثر من الخطابات.
ما جرى فى دار السلام لم يكن مجرد اجتماع لرجال الأعمال، وإنما إعلان عن مرحلة جديدة فى العلاقات المصرية التنزانية. فمشاركة أكثر من 35 رجل أعمال مصرى ونحو 120 من نظرائهم التنزانيين، إلى جانب توقيع مذكرتى تفاهم والاتفاق على مشروعات فى الزراعة والثروة الحيوانية والموانئ والربط البحرى والسككى والمناطق اللوجستية، تكشف أن العلاقة تجاوزت مرحلة المجاملات السياسية إلى مرحلة المصالح الاقتصادية.
واللافت أن الرئيس السيسى لم يكتف بالإعلان عن الاتفاقات، بل كلف مدير مكتبه بمتابعة تنفيذها مع الجانب التنزاني. وقد تبدو العبارة بروتوكولية، لكنها فى الحقيقة تعكس تغيرًا فى طريقة إدارة الدولة لهذا الملف. فلم يعد النجاح يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بعدد المشروعات التى ترى النور.
وفى قلب هذه الرؤية يقف سد جوليوس نيريري، أحد أكبر مشروعات الطاقة الكهرومائية فى أفريقيا، والذى تولى تنفيذه تحالف شركتى المقاولون العرب والسويدى إليكتريك بعد الفوز بمناقصة دولية. هنا لا نتحدث عن مشروع هندسى فقط، بل عن تصدير للخبرة المصرية، ورسالة بأن الشركات الوطنية أصبحت قادرة على المنافسة فى أكبر المشروعات خارج الحدود.
ومن زاوية أخري، يمثل السد ردًا عمليًا على رواية روجت لها إثيوبيا لسنوات، مفادها أن مصر تعارض بناء السدود فى أفريقيا. فالقاهرة لم تواجه هذه الرواية بخطابات سياسية، وإنما بمشروع ضخم نفذته على أرض دولة أفريقية، لتؤكد أن اعتراضها لم يكن يومًا على التنمية، وإنما على أى مشروع يهدد حقوق دول أخرى فى الأنهار المشتركة.
وهنا يظهر الفارق بين سد جوليوس نيريرى والسد الإثيوبى. الأول مقام على نهر روفيجى داخل الأراضى التنزانية، ولا علاقة له بحوض النيل أو بحصة مصر من المياه، بينما ظل الخلاف مع إثيوبيا مرتبطًا بإدارة نهر دولى تعتمد عليه مصر فى أكثر من 97 ٪ من احتياجاتها المائية، وليس بمبدأ بناء السدود ذاته.
لكن قراءة الزيارة من زاوية السد وحده تبدو مقصورة، فمصر تتحرك فى شرق أفريقيا، وهى منطقة أصبحت ساحة تنافس اقتصادى بين الصين وتركيا والهند والإمارات والاتحاد الأوروبي. وفى مثل هذه البيئة، لا يكفى الحضور السياسي، بل تصبح الشركات والاستثمارات والبنية التحتية أدوات نفوذ لا تقل أهمية عن الدبلوماسية التقليدية.
كما أن القاهرة تدرك أن شركاتها الوطنية، بعد تنفيذ عشرات المشروعات العملاقة داخل مصر، باتت تمتلك خبرات تؤهلها للتوسع الخارجي. ومن ثم، فإن تصدير هذه الخبرات لم يعد مجرد نشاط اقتصادي، بل تحول إلى أحد أدوات السياسة الخارجية، يفتح أسواقًا جديدة، ويوفر فرص عمل، ويمنح الدولة حضورًا دائمًا فى القارة.









