قبل سنوات قمت بزيارة العاصمة الفرنسية باريس.. وهناك تعرفت على شاب فرنسى يدرس فى قسم اللغات الشرقية تخصص لغة عربية وكان يجيد العربية الفصحى كما لو كان من احفاد سيبويه.. وعلى مدار عشرة أيام اصطحبنى لزيارة معظم المناطق السياحية الفرنسية وكان يشرح لى كل ما اراه كما لو كان مرشدا سياحيا متمرسا.. فهذا هو مبنى سجن الباستيل سيئ السمعة.. وهذا قصر فرساي.. وذاك برج ايفيل الذى بناه نفس الفنان الذى صمم تمثل الحرية الامريكي.. واذكر انه اصطحبنى لزيارة متحف اللوفر.. ولمن لا يعرف فإن متحف اللوفر يحتوى على مئات الالاف من القطع الاثرية من كل انحاء العالم بالاضافة إلى القطع الأثرية الفرنسية التى تؤرخ للحياة فى فرنسا منذ عصور الظلام إلى العصور الوسطى وصولا إلى العصر الحديث.. ولرؤية كل محتوياته من آثار يتطلب زيارات يومية لمدة شهر على الاقل.
أمام نموذج للمقصلة ذكر لى اسماء الاباطرة والملكات وشخصيات شاركت فى الثورة الفرنسية ممن اعدموا بالمقصلة.. وكان لا بد من زيارة الجناح الذى يحتوى على اهم لوحة فنية على وجه الأرض.. لوحة الموناليزا للفنان ليوناردو دافنشى وامامها حكى لى صديقى الفرنسى قصة دافنشى من مولده وحتى وفاته وكيف انه امضى سنوات نائما على ظهره فوق سقالات عالية ليرسم لوحات على سقف كنيسة نوتردام.. واستمرت جولتنا عدة ساعات قدم خلالها مرافقى شرحا وافيا لكل القطع الاثرية التى أتيحت لنا رؤيتها كما لو كان موسوعة متحركة.
وبعد عامين تلقيت اتصالا هاتفيا من صديقى الفرنسى اخبرنى فيه انه استطاع ان يجمع تكاليف عمل رحلة سياحية إلى مصر.. فقد كان حلم حياته ان يرى الاهرامات ومعابد الأقصر ومعبد ابو سمبل وبلاد النوبة والمتاحف المصرية.. وطلب منى ان اكون مرشده السياحى خلال الرحلة.. وهنا كانت المشكلة الكبيرة.. فقد اكتشفت اننى لا اعرف فى مصر سوى حى مصر الجديدة الذى اسكن فيه وحى الحسين والسيدة زينب لأسباب دينية وبعض شوارع وسط القاهرة ومنارة الإسكندرية والاهرامات ولا شيء غير ذلك.. واكتشفت اننى لم ازر الأقصر ابدا فى حياتي.. ولم اشاهد معبد أبوسمبل ولم أر هرم سقارة المدرج ولا اعرف مكان المتحف الكبير الذى يضم تمثل رمسيس الثانى العملاق وآثار اخناتون الاعجازية والمومياوات.. ولا اعرف شيئاً عن متحف الحضارة فى مصر القديمة.. وان معلوماتى عن الآثار المصرية لا تزيد عما كنا ندرسه فى مناهج مدارس التعليم العام وهى اقل بكثير مما يعرفه صديقى الفرنسى الزائر.
اكتشفت انه لو قمنا باختيار عينة عشوائية من الف مواطن من القاهرة على سبيل المثال.. وسألناهم هل زاروا مدينة الأقصر وهل شاهدوا معابد أبو سمبل وهل زاروا الصخرة المعلقة أو هل يعرفون شيئا عن مسار رحلة العائلة المقدسة فى أرض مصر وهل شاهدوا دير سانت كاترين وصعدوا جبل الرحمة حيث تجلى الله سبحانه وتعالى على سيدنا موسي.. ستكون الاجابة صفراً.. وهذه مشكلة كبيرة.. فالآثار جزء من تاريخ البلد وشاهدة على حضارتها العريقة وعلى مكانة مصر بين الامم وهى تنمى الاحساس بالفخر بالانتماء للوطن والارتباط به.
الملايين يعشون على أرض مصر ولا يعرفون الكثير عن آثارها وشواهد حضارتها الضاربة فى اعماق التاريخ .. فلماذا لا توفر جهات المجتمع المدنى والجهات الحكومية رحلات تعريفية بسعر التكلفة.. ولماذا لا نجعل من معرفة اثارنا جزءاً لا يتجزأ من حضارتنا العريقة.









