هناك فرق شاسع بين من يرتدي عباءة البطل أمام عدسات التصوير ثم يخلعها، وبين من يرتديها في الواقع ويعيش بها مدافعاً عن قضية فنية عادلة. هكذا تجسد حضور الفنان ياسر جلال هذه المرة؛ لا ليبحث عن دور جديد يضيفه إلى رصيده الفني، بل ليصنع موقفاً للتاريخ، مستخدماً نجوميته ومنصبه كنائب في مجلس الشيوخ لا لمصلحة شخصية، بل ليجعل منهما درعاً وسيفاً لزملائه.
لقد عاش البطولة خارج الاستوديو، وهو يقف شامخاً تحت قبة مجلس الشيوخ، حاملاً على عاتقيه قضية “حق الأداء العلني” التي ظلت معطلة لسنوات؛ فحرك بجرأته المياه الراكدة، وكسر حاجز الصمت، مختاراً أن يكون الجسر الذي يعبر عليه صوت الفنان نحو استعادة حقوقه المشروعة، عبر تفعيل هذا الحق المعطل منذ صدور قانون حماية الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002.
في زمن اعتاد بعض النجوم فيه أن يفكروا في أجورهم، ومساحة أدوارهم، وتصدر أسمائهم أولاً، ظهر من يفكر في المصلحة العامة للجميع. وفي زمن ندر فيه من يتصدى للملفات الشائكة خوفاً من الهجوم الشرس، برز ياسر جلال ليتصدر المشهد ويتحمل “المواجهات المغلوطة” دون أن يتراجع خطوة واحدة إلى الوراء.
إن “حق الأداء العلني” يقوم على مبدأ بسيط وعادل: من حق الفنان أن ينال نصيبه العادل كلما أُعيد عرض عمله على الشاشات أو المنصات وحقق لغيره أرباحاً طائلة. وقد أثبت ياسر جلال بهذا الموقف أن الفنان يمكن أن يكون مشرعاً بارعاً، وأن البطل الحقيقي هو من يسعى لإقرار قانون يحمي آلافاً غيره. فرغم أن القانون ينص بوضوح منذ سنوات على حق الفنان في العرض العلني لعمله، إلا أنه ظل حبراً على ورق، بلا لائحة تنفيذية أو آلية تحصيل واضحة، حتى جاء ياسر جلال ليعيد إليه الحياة وينقله من أدراج النسيان إلى قاعة التشريع.
ونؤكد هنا على حقيقة هامة: المنتج لا يدفع جنيهاً واحداً من هذا الحق، بل إن الجهات الملزمة بالدفع هي القنوات الفضائية، والمنصات الرقمية، ودور العرض التي تعيد استغلال الأعمال الفنية وتحقق منها ملايين الأرباح. هذا الحق ليس بدعة ابتدعناها، بل هو نظام معمول به في كل دول العالم المتحضر منذ أكثر من 150 عاماً، ومصر موقعة عليه في اتفاقية “برن” لحماية المصنفات الأدبية والفنية منذ عام 1886.
وفي لحظة كانت الساحة الفنية أحوج ما تكون فيها إلى صوت واعٍ، ويد قوية، وعقل تشريعي مستنير، جاء طرح الفنان والنائب ياسر جلال ليهز أركان الركود ويعيد النقاش إلى مساره الصحيح. فما قدمه لم يكن دفاعاً عن فئة بعينها، بل عن منظومة إبداعية كاملة، وعن حق أصيل تكفله القوانين والمواثيق الدولية، بما يضمن استمرار صناعة الفن وتطورها وصون كرامة أصحابها.

ويُحسب في هذا السياق للفنان الدكتور أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، موقفه الداعم والصريح لهذا الملف، انطلاقاً من دوره المحوري في حماية أبناء مهنته ومستقبل الأجيال الجديدة.


كما يبرز دور المخرج مسعد فودة، نقيب المهن السينمائية، الذي أكد أن حماية الملكية الفكرية هي العمود الفقري لنهضة السينما المصرية، وأن تفعيل هذا الحق خطوة حضارية تضعنا على خريطة العالم. ولا يمكن إغفال المجهود الكبير الذي يبذله المستشار ماضي توفيق الدقن، رئيس جمعية أبناء الفنانين، في نشر التوعية وإيصال الصوت بأن الهدف ليس فرض أعباء إضافية، وإنما ضمان حقوق المبدعين وورثتهم بما يحفظ تاريخ الفن المصري العريق.
إن تفعيل “حق الأداء العلني” سيعود بالنفع على المنظومة بأكملها بلا استثناء؛ فالفنان سيحيا بكرامة، والنقابات ستقوى على خدمة أعضائها ورعايتهم، والصناعة ستنمو على أسس قانونية واقتصادية سليمة، مما ينعكس مباشرة على جودة المنتج الثقافي الذي يتلقاه الجمهور.
لقد فتح ياسر جلال باباً كان لا بد أن يُفتح، وأدار معركة كان لا بد أن تُخاض؛ ومن هنا، وجب على الجميع الالتفاف خلف هذه المبادرة الوطنية، ودعم كافة الجهود التي يقودها أشرف زكي، ومسعد فودة، وماضي توفيق الدقن، حتى يرى هذا الحق النور ويتحول إلى واقع ملموس يحفظ كرامة المبدع المصري ويصون مستقبل الفن.









