يحظى شهر يوليو فى مصر بالعديد من التواريخ الهامة منذ النصف الثانى من القرن العشرين وحتى عصرنا الحالي، ففي23 يوليو 1952 قامت ثورة الضباط الأحرار وبدأت مصر عهدا جديدا برحيل الملكية، وفى 26 يوليو 1956 كان قرار تأميم قناة السويس، وفى 3 يوليو 2013 خرج بيان 3 يوليو فى مصر بعد نجاح ثورة 30 يونيو وبهذا القرار طويت صفحة جماعة الإخوان الإرهابية للأبد، لكن بين هذه التواريخ تاريخ آخر ربما لا يلتفت له الكثيرون ولم يحظ بالاهتمام الكافى من وسائل الإعلام وهو 1 يوليو 1967 وفيه دارت أولى معارك حرب الاستنزاف وأهمها وهى معركة «رأس العش» الشرارة التى أدت إلى اندلاع حرب الاستنزاف على ضفتى قناة السويس بين مصر وإسرائيل لنحو ثلاث سنوات، وكانت إسرائيل بعد 5 يونيو 1967 احتلت سيناء عدا مدينة بورفؤاد الواقعة على الضفة الشرقية فى مواجهة بورسعيد، وعندما أرادت احتلال بورفؤاد دارت معركة «رأس العش» قال عنها اللواء محمد عبد الغنى الجمسى رئيس هيئة العمليات أثناء بحرب أكتوبر فى مذكراته:»اليوم الأول الذى تولى فيه اللواء أحمد إسماعيل على قيادة الجبهة فى أول يوليو 1967 تقدمت قوة إسرائيلية شمالا من مدينة القنطرة شرق القناة فى اتجاه بور فؤاد شرق بورسعيد لاحتلالها، وتصدت لها قواتنا ودارت معركة «رأس العش» جنوب بور فؤاد والتى كان يدافع فيها قوة مصرية محدودة من قوات الصاعقة عددها 30 مقاتلاً من قوة الكتيبة 43 صاعقة بقيادة الرائد سيد الشرقاوى الذى أعطى أمر عمليات لقائد سرية الصاعقة الملازم فتحى عبد الله بتجهيز السرية للعبور وعمل خط دفاعى أمام القوات الإسرائيلية المتقدمة وبالفعل تقدمت القوة الإسرائيلية، تشمل سرية «3 دبابات» مدعمة بقوة مشاة ميكانيكة فى عربات نصف جنزير، وقامت بالهجوم على قوة الصاعقة التى تشبثت بمواقعها بصلابة وأمكنها تدمير الدبابات الثلاث المعادية، و عندما عاود العدو الهجوم مرة أخري، فشل فى اقتحام الموقع بالمواجهة أوالالتفاف من الجنب، وكانت النتيجة فى صفوف العدو تدمير بعض العربات نصف جنزير بالإضافة لخسائر بشرية واضطرت القوة الإسرائيلية للانسحاب، وظل قطاع بور فؤاد هو الجزء الوحيد من سيناء الذى ظل تحت السيطرة المصرية حتى نشوب حرب أكتوبر 1973 ».
فى إسرائيل حتى هذه اللحظة يتذكرون حرب الاستنزاف بمرارة شديدة ربما لا تقل عن مرارة هزيمتهم فى حرب أكتوبر 1973 ويسمونها «حرب الألف يوم» فى إشارة إلى مدة العمليات التى نفذها الجيش المصرى فى الفترة من 1 يوليو 1967 وحتى 7 أغسطس 1970، على طول قناة السويس واتخذت الاشتباكات فى البداية شكل قصف مدفعى وإغارات محدودة فى سيناء، وبحلول 1969، اعتبر الجيش المصرى نفسه مستعداً لعمليات واسعة النطاق وفى 8 مارس 1969، أعلن الرئيس جمال عبد الناصر قيام حرب الاستنزاف رسمياً، بقصف مدفعى شامل على طول قناة السويس، وحرب جوية وبحرية وغارات للصاعقة.
قال المؤرخ الإسرائيلي، يوآف جيلبر القائد السابق للواء المظليين الإسرائيلى والمستشار الأكاديمى بكلية القيادة والأركان الإسرائيلية وأستاذ التاريخ العسكرى فى جامعة حيفا، عن حرب الاستنزاف فى كتابه الشهير»حرب الاستنزاف المنسية»، الصادر فى أبريل 2017 إن الجيش الإسرائيلى أصيب بالغطرسة بعد حرب 1967، دون اكتراث للخسائرالتى بدأ يتكبدها مع بداية حرب الاستنزاف التى شنها الجيش المصرى وبدأت بتنفيذ عمليات متواصلة منذ يوليو 1967، وتطورت إلى حرب كاملة، ثابتة وطاحنة منذ مارس 1968، ويعترف جيلبر أن الصحافة الإسرائيلية تعاونت فى ذلك الوقت مع الجيش الإسرائيلي، وشددت الرقابة لعدم نشرأى بيانات حول عدد القتلى والمصابين الإسرائيليين، بل أحيانا كذبت وغيرت الحقائق، مؤكدا أنه منذ مارس 1969، وحتى طوال الصيف، واصل المصريون سلسلة من عمليات القنص وزراعة الألغام والقصف المدفعي، وكل يوم كانت هناك وفيات وإصابات فى الجانب الإسرائيلي، ومنذ يونيو إلى أغسطس 1970 فقدت إسرائيل 14 طيارا، 5 قتلى و9 أسري، كانت حرب قاسية بتكلفة يومية للإصابات وصلت إلى حوالى 378 إسرائيليا ومنذ ذلك الحين ركزت إسرائيل فقط على عرقلة بطاريات الصواريخ المصرية المضادة للطائرات، بينما كان القتلى والمصابون الإسرائيليون، يتساقطون يوما بعد يوم.
كانت هذه شهادة واحد من أكبر المؤرخين العسكريين الإسرائيليين شارك فى حرب الاستنزاف وحرب 6 أكتوبر1973، أليس هذا كافيا أن نتذكر شهر يوليو بفخر وندعو الإعلام للاحتفاء بحرب الاستنزاف؟









