ساعات قليلة أمضيتها فى العاصمة الاقتصادية لتنزانيا، لكنها كانت بمنزلة زيارة إلى قلب التاريخ، ناهيك عن جغرافيتها الساحرة. فعلى ساحل المحيط الهندى نشأت هذه المدينة العريقة، «دار السلام»، ميناءً للتجارة بين شرق إفريقيا ودول آسيا والخليج، منذ العصور القديمة، مرورًا بفترة الاحتلال الألماني، ثم البريطاني، وصولًا إلى مرحلة الكفاح والنضال ضد الاستعمار، حتى تحقق التحرر فى ستينيات القرن الماضى على يد ذلك المدرس، أو «المعلم» التنجانيقى العظيم، جوليوس نيريري.
انتفض ذلك الشاب ضد الاحتلال البريطانى حتى نالت بلاده الاستقلال. وكانت بلاده تمثل «البر»، أو الجزء القاري، الذى كان جزءًا مما عُرف بشرق أفريقيا الألماني، والذى ضم تنجانيقا ورواندا وبوروندى الحالية.
نظر ذلك المعلم صوب سواحل المحيط الهندي، فرأى جزر زنجبار التى خضعت لسنوات طويلة لحكم السلاطين العُمانيين، فتواصل مع القادة الشعبيين والثوريين، وقدم لهم الدعم الكامل، حتى تحقق استقلال الجزر أيضًا.
وهنا نجح المعلم فى استكمال حلمه الوطني، فوحّد تنجانيقا وزنجبار فى دولة واحدة أطلق عليها اسم «تنزانيا»، وهو اسم يجمع بين بدايتى اسمى تنجانيقا وزنجبار، لتولد جمهورية تنزانيا المتحدة.
كان جوليوس نيريرى على تواصل وثيق مع كبار القادة الأفارقة فى ذلك الزمان؛ جمال عبدالناصر فى مصر، وكوامى نكروما فى غانا، وباتريس لومومبا فى الكونغو، وأحمد سيكو تورى فى غينيا، وأحمد بن بلة فى الجزائر، وكينيث كاوندا فى زامبيا. وأصبح نيريرى واحدًا من هؤلاء العظماء الذين صنعوا تاريخ القارة الأفريقية.
وكانت زياراته إلى القاهرة بمنزلة عيد أفريقى بنكهة مصرية. ولا يزال التاريخ يحتفظ بمشهد رئيس مجلس الأمة، أنور السادات، وهو يقول بصوته الفخيم: «فخامة الرئيس التنزانى العظيم جوليوس نيريري، بصحبة رئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبدالناصر».
تذكرت كل ذلك بالأمس، وأنا أتابع استقبال الرئيسة التنزانية للرئيس عبدالفتاح السيسى فى القصر الرئاسى بمدينة دار السلام. كان استقبالًا يليق بالمحبين الطيبين، ويعكس عمق الروابط بين الشعبين.
عادت المياه المصرية لتروى حقول العلاقات الأفريقية التى جفّت وتصحّرت خلال سنوات طويلة. فقد أعاد الرئيس السيسى المياه إلى مجاريها بحكمة وصبر وإصرار.
ومن غرب إفريقيا، حيث مدينة مالابو المطلة على المحيط الأطلسي، وصولًا إلى زنجبار على المحيط الهندى فى شرق القارة، تأتى التحركات الرئاسية المصرية لترميم الشروخ التى حدثت نتيجة الإهمال الجسيم تجاه القارة الأفريقية على مدى عقود طويلة، واستعادة مكانة مصر الطبيعية فى قلب إفريقيا، واستعادة إفريقيا لمكانتها المستحقة فى قلب مصر.









