لا عمل بشريًّا كامل 100%، فالكمال لله وحده، غير أن الأمانة تقتضي التقييم الموضوعي للأحداث، فلا نتعامل معها بمنطق «نصف الكوب الفارغ». والموضوعية تتحقق بالحفاظ على مسافة زمنية معقولة تتيح لنا رؤية الحدث بعيدًا عن العواطف والمصالح. والمؤكد أن ثورة 23 يوليو 1952 كانت واحدًا من أهم الأحداث التي مرت بتاريخ مصر الحديث.
قبل 31 عامًا كلفني الأستاذ الكبير سمير رجب رئيس مجلس إدارة دار التحرير ـ في ذلك الوقت ـ بإجراء سلسلة من الحوارات مع الشخصيات السياسية التي أسهمت في صنع التاريخ، بهدف توثيق شهاداتهم على الأحداث الكبرى التي مرت بها مصر. التكليف جاء بعد نجاح حواري الأول مع الدكتور عزيز صدقي رئيس الوزراء الأسبق، و«أبو الصناعة» المصرية، وأول وزير للصناعة اختارته الثورة سنة 1956.
انطلقت في سلسلة من الحوارات الوثائقية، وأسعدني الحظ أن أحاور العديد من أعضاء مجلس قيادة الثورة، ورجال الرئيسين محمد نجيب وجمال عبد الناصر، بل امتدت الحوارات لليديد من أعضاء الأسرة الملكية السابقة، ومن بينهم اللواء مصطفى كامل صادق عم الملكة «ناريمان»، كما تحدثت للملكة ذاتها، ولكن حالت ظروفها الصحية أواخر أيام حياتها دون محاورتها حتى رحيلها في 2006. ومن بين من عرفتهم السيد حسين الشافعي عضو مجلس قيادة الثورة ونائب رئيس الجمهورية الأسبق، حيث جمعتني به لقاءات عديدة في استراحته بجزيرة «الشاي» بالإسكندرية، ومنزله في حي الدقي.
حسبن الشافعى يستقبل سامح محروس بالإسكندرية- يوليو 1995
روى لي حسين الشافعي الكثير عن «يوليو وأسرارها»، وبدأ حديثه معي بيوم 16 يناير 1952، يوم ميلاد الأمير أحمد فؤاد ولي العهد، وحفل الاستقبال الذي أقامه الملك فاروق في قصر «عابدين» لكبار القادة احتفاءً بهذه المناسبة، وكان الشافعي واحدًا ممن حضروا هذه المناسبة.
في هذا اليوم وقف الملك فاروق يحمل ولي عهده موجهًا حديثه للجميع قائلًا: «ابني هذا أقدمه هدية لمصر».
سخر حسين الشافعي وزملاؤه من مقولة الملك، وقالوا هامسين: وده نصرفه منين؟ تقدم كبار المدعوين لتهنئة الملك، وكانت المصافحة تشمل تقبيل يده، وشعر الضابط الشاب بالحيرة، فهو لا يريد تقبيل يد الملك، فإذا صافحه دون تقبيل يده، سيتم اعتبار ذلك نوعًا من التمرد وعدم الولاء، وقد يؤدي إلى حدوث أزمة. سار الطابور طويلًا، وفجأة شعر الملك بالإرهاق، واكتفى بهذا القدر من المهنئين، ولم يصل حسين الشافعي للملك، فأعفاه القدر من تقبيل يده.
يقول حسين الشافعي: تمر الشهور، وتتسرب أنباء عن وجود تحركات بالجيش، ويُفاجأ الملك فاروق وصول المنشورات إلى مكتبه، فيكلف «الحرس الحديدي» بقيادة سيد جاد للتحقق من الأمر، ويدرك الضباط الأحرار أن أمرهم بدأ ينكشف، ويتخوفون من تحرك الملك في ضربة استباقية، فيقررون التبكير بالثورة قبل موعدها الأصلي بشهرين، لينطلق بيانها الأول صباح 23 يوليو 1952.
وأضاف: نجحت حركة الضباط، وتنحى الملك عن الحكم، وتقرر أن يغادر مصر يوم 26 يوليو 1952، ويشاء القدر أن أكون برفقة الرئيس محمد نجيب في وداع الملك على متن يخت «المحروسة».
وقال اقتربت من الملك مصافحًا إياه ليسألني عن اسمي، فأجبت: «حسين الشافعي»، عاود الملك سؤالي مرة أخرى، وتتكرر نفس الإجابة، ويهز الملك رأسه، لأكتشف أن اسمي كان معلومًا لديه ويتردد على مسامعه.
ويعلق حسين الشافعي على مشهد خروج الملك من مصر بقوله: حمدت الله أنني لم أصافح الملك يوم ميلاد ابنه، ويبدو أن القدر ادخر لي هذه المصافحة يوم وداعه، ولكن دون تقبيل لليد. غادر الملك، وكانت آخر كلماته قبل رحيله من مصر: «هذا الجيش هو جيش أجدادي .. حافظوا عليه».