لم تعد منصات “السوشيال ميديا” مجرد وسائل للتواصل الاجتماعي وتبادل المحتوى والترفيه، أو النشر والتدوين، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى أدوات محورية لتشكيل الوعي والثقافة وصناعة الرأي العام وتوجيهه خصوصا مع غزو ملايين المصريين للفضاء الإلكترونى، وأصبحت مرآة للمجتمع أمام العالم تعكس ما يهتم به المواطن في حياته اليومية وما يؤمن به، ومعتقداته وأهدافه وما يستهلكه وللأسف مع سوء الفهم والاستغلال غير الأمثل لتلك التطبيقات والمنصات ظهر بوضوح ما يسمى “فوضى السوشيال ميديا”، التي أصبحت تشكل خطرا كبيرا على المجتمع ونسيجه وأخلاقه وعاداته وتقاليده وقوانينه.
وللعلم عزيزي القارئ ووفقاً لأخر التقارير الصادرة عن الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات فهناك 54.3 مليون مستخدم لمنصات التواصل الاجتماعي ما بين فيس بوك واكس وانستجرام وغيرهم بإجمالي 25.2 مليار زيارة يومياً، بنسبة نمو 5% بينما بلغ عدد المشاهدين للمحتوى الترفيهي 52.4 مليون مشاهد، بإجمالي 43.7 مليون ساعة مشاهدة يومياً.. وهو ما يعني أن نصف المصريين تقريبا زوار دائمون للسوشيال ميديا..وأننا أمام تحد كبير يهدد نسيج المجتمع وعاداته وتقاليده.
ولعل أخطر ملامح هذه الفوضى هو “التريند”، حيث أصبح البحث عن المشاهدات والتفاعل هو المحرك الأساسي للكثير من صناع المحتوى، دون النظر لجودة وقيمة ما يتم تقديمه..
وللأسف انتشر المحتوى السطحي، والمبتذل، والمفبرك أحياناً، فقد أصبحت الخصوصية الشخصية تنتهك علناً، واصبحت المشاكل الأسرية والفضائح الخاصة تعرض للجمهور العام جهارا نهارا طمعاً في الشهرة السريعة، وانتشر العري والرقص مما ساهم في تدني الذوق العام.
بل أصبحت تلك المنصات والتطبيقات وسيلة لنشر الشائعات والأخبار الكاذبة والفتن المضللة التي تثير البلبلة في الشارع المصري.. حيث تزايدت لجان “الذباب الإلكتروني” التي يتم توجيهها لخدمة أجندات خارجية من أعداء الوطن من خلال الحسابات الوهمية ونشر أخبار كاذبة أو محرفة تمس القضايا الوطنية والدينية والاجتماعية، بهدف إثارة البلبلة، وبث روح الفرقة والتعصب، وتفكيك النسيج المجتمعي عبر تأجيج المشاعر العامة.
ويعد الشباب هم الفئة الأكثر عرضة للسقوط ضحية لهذه الفوضى، فمع غياب الوعي يعزل البعض أنفسهم في عالم افتراضي غير واقعي، يحلم بحياة “المشاهير” والمليونيرات من الفنانين ولاعبي كرة القدم وأصبح البلوجر قدوة ومثل أعلى للوصول إلى الغاية والوسيلة وجنى الأرباح السريعة ليستيقظ على كابوس الواقع، تحيطه خطابات الإحباط والكراهية، والتنمر والتعصب الرياضي أو الفني الذي تحول في كثير من الأحيان إلى صراعات حقيقية على أرض الواقع.
وعلى الرغم من وجود قوانين لمكافحة الجرائم الإلكترونية، إلا أن وتيرة تطور المحتوى الضار كان أسرع بكثير من الأدوات القانونية والرقابية الحالية وبات الأمر يحتاج إلى إعادة التنظيم التشريعي لمواجهة هذه الفوضى الرقمية، وذلك بسن القوانين الجديدة وتغليظ العقوبات إلى أقصى حد لمجازاة المخطئ ليكون عبرة لغيره فحماية الأوطان لم تعد تحتمل أي تقصير أو تهاون.
ولعل دور الإعلام والجهات المعنية به بات يحتاج إلى “ميثاق شرف” رقمي، يدرك من خلاله صانع المحتوى ما له وما عليه وتأثير ما ينشره على المجتمع.. كما نحتاج إلى تدريس التربية الإعلامية فى المناهج التعليمية، لتمكين الأجيال الجديدة من نقد المحتوى الذي يشاهدونه وفلترته لتحديد النافع منه والضار.
ورغم كل ما فات علينا جميعا أن نتذكر وندرك أن وعي المواطن يظل خط الدفاع الأول فالانصياع خلف المحتوى الهابط أو المساهمة في نشره هو وقود هذه الفوضى وتجاهله هو نجاح ودعم لاستقرار الوطن.
@@@
وانتهت امتحانات الثانوية العامة.. فمع وضع القلم في آخر ورقة امتحان، اسدل الستار على شهور عصيبة من الضغط وحالة الطوارئ عاشها أولياء الأمور والطلاب لتبدأ مرحلة التوتر والقلق وباتت الآمال معلقة بـ “المجموع”.. واليوم ونحن نودع ضجيج اللجان والامتحانات ، دعونا نفتح صفحة جديدة لا نحكم فيها على أبنائنا بأرقام، بل بمدى قدراتهم وذكائهم، وموهبتهم، التي لا يستطيع أي امتحان أن يقيسها.. فليفتح كل طالب صحيفته الخاصة، وليكتب فيها ملامح مستقبله الذي يختاره هو، لا الذي يمليه عليه التنسيق.
فالتحدي الحقيقي في مواجهة كابوس الثانوية العامة ليس في كيفية الحصول على الدرجات، بل في كيفية تحررنا كأسر من “عقدة المجموع”.. فالمستقبل، بمتغيراته المتسارعة، لا ينتظر “أوائل الثانوية” ودرجاتهم بقدر ما ينتظر لعقول تعلمت كيف تفكر، وتحلل، وتبتكر.. فالثانوية العامة يجب أن تكون جسراً لمستقبل أفضل لا “نقطة نهاية”.









