مع اقتراب انطلاق العام الدراسي الجديد، تتجدد واحدة من أهم القضايا التي تمس أكثر من 20 مليون طالب وطالبة، وهي منظومة التقويم المستمر التي بدأت وزارة التربية والتعليم تطبيقها منذ 2024/2025 على صفوف النقل الدراسية.
وبعد عامين من التطبيق، تبدو الفرصة مناسبة لتقييم التجربة بموضوعية، والبناء على نجاحاتها، ومعالجة ما كشفه الواقع من تحديات. خاصة أن محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم، أكد خلال جولته الأخيرة لتفقد تدريب المعلمين على مناهج البكالوريا المصرية الجديدة، استمرار الاعتماد على منظومة التقويم في رسالة تؤكد استقرار السياسة التعليمية وعدم العودة إلى ثقافة الامتحان الواحد.
وخلال الفترة الماضية، تلقيت العديد من المقترحات من معلمين يعملون في الميدان التربوي، بينهم حاصلون على درجة الدكتوراه في العلوم التربوية، أجمعوا على أن منظومة التقويم حققت نتائج إيجابية لا يمكن إنكارها، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى تطوير في آليات التنفيذ حتى تحقق أهدافها التربوية بصورة أفضل، وتخفف الأعباء المتزايدة عن المعلم والطالب.
فالواقع يؤكد أن المنظومة نجحت في إعادة الطلاب إلى المدارس، بعدما ارتفعت نسب الحضور من نحو 15% إلى ما يقرب من 87%، وعادت الأسرة للاهتمام بمتابعة أبنائها بصورة أكبر، كما استعادت المدرسة جزءًا من دورها الحقيقي بعد سنوات من تراجع الانتظام الدراسي. وهذه مكاسب تستحق الحفاظ عليها وعدم التفريط فيها.
لكن في المقابل، يرى كثير من المعلمين أن التطبيق الحالي ابتعد عن فلسفة التقويم المستمر المعمول بها في النظم التعليمية المتقدمة، وتحول في كثير من الأحيان إلى سلسلة متواصلة من الاختبارات والواجبات الورقية، وكثرة السجلات والاستمارات، حتى أصبح المعلم يقضي وقتًا طويلًا في أعمال الرصد والتوثيق أكثر مما يقضيه في التدريس نفسه.
ومن أبرز المقترحات التي طرحها المعلمون، تخفيف عدد التقييمات الورقية مع الإبقاء على فكرة التقويم المستمر، ومنح المعلم مساحة أكبر لاختيار أدوات التقييم المناسبة داخل الفصل، والتوسع في التقييمات الشفهية والعملية والأنشطة والمشروعات، مع إلغاء التكرار في السجلات الورقية، وتوحيد آليات الرصد داخل جميع المدارس، بما يحقق العدالة ويخفف العبء الإداري.
أما المقترح الذي حظي بإجماع كبير، فهو إطلاق تطبيق إلكتروني رسمي موحد تشرف عليه وزارة التعليم، يتولى تسجيل الحضور والغياب، ورصد السلوك والمهام الدراسية والتقييمات المختلفة، وحساب الدرجات بصورة آلية، وإصدار التقارير والشهادات وربطها مباشرة بقاعدة بيانات الطلاب.
ويتميز هذا التطبيق بأن المعلم يُدخل بيانات الفصل مرة واحدة فقط في بداية العام الدراسي، ثم تظهر تلقائيًا في جميع النوافذ الخاصة بالتقييم والغياب والتقارير، مع مراعاة اختلاف نظم التقييم بين الصفوف الدراسية، ليقوم التطبيق تلقائيًا بحساب الدرجات ونسب الحضور وإعداد الشهادات دون الحاجة إلى عشرات السجلات الورقية.
إن الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في هذا المشروع لن تكون رفاهية، لأنها ستوفر وقت المعلم، وتحد من الأخطاء الحسابية، وتمنح ولي الأمر فرصة متابعة مستوى ابنه أولًا بأول، كما تساعد الإدارات التعليمية على امتلاك بيانات دقيقة يمكن البناء عليها في اتخاذ القرار.
إن نجاح منظومة التقويم لا يقاس باستمرارها فقط، وإنما بقدرتها على التطور والاستجابة لملاحظات الميدان. وقبل أن يدق جرس الدراسة في سبتمبر، تبدو الفرصة سانحة أمام وزارة التعليم للاستماع إلى أصوات المعلمين، فهم الشريك الحقيقي في أي إصلاح تعليمي، والأقدر على تشخيص التحديات واقتراح الحلول. فالحفاظ على إيجابيات التقويم المستمر، مع تطوير أدواته وتخفيف أعبائه، سيكون خطوة جديدة على طريق بناء مدرسة أكثر كفاءة، ويحقق مصلحة الطالب والمعلم معًا.









