قبل سنوات قليلة، كان قلق الآباء ينصب على الشارع والمدرسة ورفقاء السوء، أما اليوم فقد انتقل جزء كبير من هذا القلق إلى شاشة صغيرة يحملها الطفل في يده. فالهاتف الذكي لم يعد مجرد وسيلة اتصال، بل أصبح بوابة مفتوحة على عالم بلا حدود، يحمل فرصًا هائلة للتعلم والإبداع، لكنه في الوقت نفسه فيه أيضًا التضليل، والعنف، والاستغلال، والتنمر، والابتزاز، وإدمان المحتوى.
ولذلك، فإن الدول التي تخطط لمستقبلها لم تعد تنظر إلى الإنترنت باعتباره خدمة اتصالات فقط، وإنما باعتباره فضاءً عامًا يحتاج إلى قواعد وضمانات وآليات حماية، خاصة للأطفال الذين يمثلون الفئة الأكثر استخدامًا للتكنولوجيا، والأقل قدرة على تمييز المخاطر الكامنة خلف الشاشات.
من هذا المنطلق، يكتسب إطلاق وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات خدمتي “اطمن” و”اطمن على الآخر” أهمية خاصة، لأنه يعكس انتقال الدولة من مرحلة الحديث عن التحول الرقمي إلى مرحلة بناء التحول الرقمي الآمن. فنجاح أي استراتيجية رقمية لا يقاس بسرعة الإنترنت أو عدد التطبيقات، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان، باعتباره محور التنمية وغايتها.
وما يميز المبادرة المصرية أنها لا تقدم حلولًا معقدة أو نخبوية، بل توفر أدوات سهلة ومباشرة تُمكّن الأسرة من حماية أبنائها دون الحاجة إلى خبرات تقنية متقدمة. فخدمة “اطمن” تتيح تصفحًا أكثر أمانًا، وتمنع الوصول إلى المحتوى الضار، وتُفعّل البحث الآمن، وتحجب المواقع الخبيثة، بينما تضيف خدمة “اطمن على الآخر” مستوى أعلى من الحماية من خلال الحد من الوصول إلى مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي، وهو ما يمنح الأسرة حرية اختيار مستوى الحماية المناسب لأبنائها.
ومع ذلك، فإن أي حلول تقنية، مهما بلغت كفاءتها، لن تحقق أهدافها إذا غابت الثقافة الرقمية داخل الأسرة. فالأب والأم ليسا مطالبين فقط بتفعيل خدمة أو ضبط إعدادات هاتف، وإنما بالحوار المستمر مع الأبناء، وفهم طبيعة العالم الرقمي الذي يعيشون فيه، ومشاركتهم اهتماماتهم، وتعليمهم كيف يميزون بين المعرفة الحقيقية والمحتوى المضلل، وبين الحرية والمسؤولية.
لقد أصبح واضحًا أن الأمن القومي لم يعد يقتصر على حماية الحدود، بل يمتد إلى حماية العقول والبيانات والوعي. وإذا كانت الدولة تستثمر اليوم في البنية التحتية الرقمية، فإن الاستثمار في الأمن الرقمي للأطفال لا يقل أهمية، لأنه استثمار في الإنسان ذاته، وفي جيل سيكون هو من يقود الاقتصاد الرقمي ويصنع مستقبل الوطن.
إن إطلاق “اطمن” و”اطمن على الآخر” ليس مجرد تدشين لخدمة جديدة، بل إعلان بأن مصر تدخل مرحلة جديدة عنوانها أن التحول الرقمي لا ينفصل عن المسؤولية، وأن التكنولوجيا لا تحقق قيمتها إلا عندما تصبح أكثر أمانًا، وأكثر إنسانية، وأكثر قدرة على حماية أغلى ما نملك… أطفالنا.









