في كل حقبة تاريخية، ينجح الإنسان في تجاوز حدود جديدة من المعرفة، لكنه يواجه في الوقت نفسه أسئلة أكثر تعقيدًا حول حدود ما ينبغي أن يفعله بهذه المعرفة. واليوم، لم تعد الثورة العلمية تقف عند ابتكار دواء جديد أو تطوير آلة أكثر كفاءة، بل أصبحت تمتد إلى محاولة إعادة تشكيل الإنسان نفسه، وهو ما تطرحه بقوة فلسفات «عبر الإنسانية» و«ما بعد الإنسانية» فيما يعرف بمشروع «الإنسان البديل».
هذه القضية، التي ناقشها الدكتور حسن خليل، الأمين العام المساعد للثقافة بمجمع البحوث الإسلامية، خلال ورشة “النوازل العقدية في الفكر المعاصر” بدار الإفتاء المصرية، لا تنتمي إلى الخيال العلمي كما كان يُظن قبل سنوات، بل أصبحت جزءًا من النقاش العالمي مع التقدم المتسارع في الهندسة الوراثية، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات النانو، وواجهات الدماغ والحاسوب، وغيرها من التقنيات التي تفتح آفاقًا غير مسبوقة أمام البشرية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: ماذا يستطيع العلم أن يفعل؟ بل: ماذا ينبغي للعلم أن يفعل؟
فهناك فارق كبير بين استخدام التكنولوجيا لعلاج المرض، وبين استخدامها لتغيير الطبيعة الإنسانية أو إعادة تصميم الإنسان وفق تصورات فلسفية ترى أن الجسد والعقل مجرد مشروع قابل للتعديل بلا حدود. وهنا ينتقل النقاش من المختبر إلى الفلسفة، ومن التقنية إلى القيم.
إن بعض تيارات “الإنسان البديل” لا تكتفي بالسعي إلى تحسين جودة الحياة، وإنما تنطلق من رؤية تعتبر الإنسان الحالي مرحلة انتقالية نحو كائن أكثر ذكاءً وأطول عمرًا وأكثر ارتباطًا بالآلة. بل إن بعض المنظرين يتحدثون عن إمكانية تجاوز الشيخوخة، وربما الموت ذاته، باعتبارهما مجرد مشكلتين تقنيتين يمكن للعلم أن يحلهما مستقبلًا.
ورغم أن كثيرًا من هذه الطروحات لا يزال في إطار البحث أو التوقع، فإن مجرد طرحها يفرض على المؤسسات الدينية والفكرية والقانونية والأخلاقية مسؤولية مناقشتها بجدية، قبل أن تتحول إلى واقع يصعب التعامل معه.
ومن هنا تبرز أهمية الرؤية الإسلامية التي لا تعادي العلم، بل تعتبر طلبه فريضة ووسيلة لعمارة الأرض وتحقيق مصالح الناس. غير أن هذه الرؤية ترفض في الوقت نفسه تحويل الإنسان إلى سلعة قابلة لإعادة التصنيع أو إلى مشروع هندسي يخضع فقط لمنطق السوق أو القدرة التقنية.
فالإسلام ينظر إلى الإنسان باعتباره مخلوقًا مكرمًا، له فطرة ثابتة وكرامة مصونة، ويحمل أمانة الاستخلاف في الأرض. ولذلك فإن أي تدخل علمي يجب أن يُقاس بميزان المصلحة والمفسدة، وأن يحقق مقاصد الشريعة في حفظ النفس والعقل والنسل والكرامة، لا أن يهدمها تحت شعار التطور.
ولذلك أيضًا، فإن الفقه الإسلامي يميز بوضوح بين العلاج المشروع الذي يرفع الضرر ويعيد الوظائف الطبيعية للجسم، وبين التدخلات التي تستهدف تغيير هوية الإنسان أو العبث بفطرته أو فتح الباب أمام اختلالات أخلاقية واجتماعية تمتد آثارها إلى الأجيال المقبلة.









