لا يزال الشرق الأوسط، وتحديداً دول الخليج العربية، يعيش حالة من ضبابية المشهد جراء تردى الأوضاع الأمنية، واستمرار القصف المتبادل بين الحرس الثورى الإيرانى والقوات الأمريكية المتمركزة فى المنطقة، وصولاً إلى التنسيق المباشر داخل الكيان الإسرائيلى. ومن خلال هذا التصعيد، تسعى واشنطن لفرض معايير القوة وإجبار طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات تحت وطأة النيران.
يبدو أن الرئيس الأمريكى، المدفوع بنرجسية مفرطة، لا يرى سبيلاً للتعامل مع الإيرانيين إلا بإخضاعهم لمنطق «الكاوبوى» الذى يهدد الجميع بالسلاح، متجاوزاً مواثيق المعاهدات والاتفاقيات الدولية فما كاد حبر اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت لمدة ستين يوماً يجف، حتى عاد إلى مغامراته السياسية للسيطرة الكاملة على مضيق هرمز وممرات الملاحة الدولية وتتأرجح السياسة الأمريكية هنا بين حرمان إيران من فرض إرادتها على المضيق، وبين مساومة دول الخليج.
فى المقابل، يقف الإيرانيون مستندين إلى إرث تاريخى يرون فيه أنفسهم امتداداً لإمبراطورية ضاربة فى عمق التاريخ، تقاسمت يوماً حكم العالم مع البيزنطيين. لذا، يرفض الإيرانيون تماماً أى هيمنة أمريكية على مقدراتهم، أو السماح لواشنطن بوضع موطئ قدم يشكل تهديداً وجودياً لبلادهم. ويتجلى هذا الرفض فى إبداء أقصى درجات الصلابة والتحدى العسكرى أمام التهديدات الأمريكية المتواصلة بتدمير البنية التحتية والجسور والموانئ الإيرانية.
أمام هذا المشهد المعقد، بات من الضرورى أن يتعامل العرب بحذر شديد مع هذه «المكيدة» السياسية التى لن يجنى ثمارها إلا الكيان الإسرائيلي. فالأخير يسعى لتصفية أى قوة إقليمية قد تحد من طموحاته فى السيطرة المطلقة على المنطقة، مستغلاً أجواء التصعيد لتمرير مشروع «الشرق الأوسط الجديد» وتوسيع مظلة «الاتفاقيات الإبراهيمية» ويهدف هذا المخطط فى النهاية إلى تصفية القضية الفلسطينية، تمهيداً لبناء «الهيكل المزعوم» على أنقاض المسجد الأقصى، ليكون درة التاج لمشروع «إسرائيل الكبرى» من النيل إلى الفرات.









