ليست كل الرسائل السياسية تُقال من فوق المنابر، ولا كل الرؤى الاستراتيجية تُعلن فى المؤتمرات الرسمية، أحيانًا تحملها لحظة تكريم، أو كلمة عابرة، أو إشادة بإنجاز رياضي. ومن هذا المنطلق، فإن لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسى ببعثة المنتخب الوطنى عقب الإنجاز التاريخى فى كأس العالم 2026 لم يكن مجرد احتفاء بفريق لكرة القدم، بل كان إعلانًا عن فلسفة وطنية جديدة فى إدارة الثروة الحقيقية لمصر: الإنسان الموهوب.
أهم ما استوقف المتابعين فى حديث الرئيس السيسى لم يكن الإشادة بالأداء البطولى أو منح الأوسمة، وإنما تلك العبارة التى ينبغى أن تتحول إلى مشروع دولة: «ضرورة وجود كشافين متجردين للمواهب».
إنها كلمات قليلة، لكنها تختزل إشكالية ممتدة لعقود؛ فمصر لم تكن يومًا فقيرة فى المواهب، وإنما عانت كثيرًا من ضعف اكتشافها، وسوء إدارتها، وأحيانًا من طمسها بالواسطة والمحسوبية والمجاملات. والنتيجة أن عشرات وربما مئات المواهب تضيع قبل أن ترى النور، بينما ينجو القليل ممن حالفهم الحظ، ليصبحوا استثناءً يثبت القاعدة.
محمد صلاح لم يصنعه الحظ وحده، وإنما صنعته موهبة وجدت من يؤمن بها، وإصرار لم يعرف اليأس، وبيئة احتضنت قدراته حتى وصلت إلى العالمية. لكن السؤال الذى يفرض نفسه: كم «صلاحًا» آخر فقدناه لأن أحدًا لم يره؟ وكم عبقرية دفنت فى قرية نائية أو حارة بسيطة لأن عينًا أمينة لم تكتشفها؟
الله تعالى يقول: «إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ»، فجعل الكفاءة والأمانة معيار الاختيار، لا القرابة ولا المحاباة. وقال سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا»، وهى قاعدة خالدة فى كل مسئولية، من إدارة الدولة إلى اختيار لاعب فى فريق ناشئين.
ويقول رسول الله: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة.» وهو تحذير واضح من أن غياب الكفاءة ليس مجرد خلل إداري، بل بداية لانهيار المؤسسات وضياع الحقوق.
ولهذا فإن حديث الرئيس السيسى ؛ وهو بالمناسبة ليس التنبيه الأول له، عن «الكشافين المتجردين» ينبغى ألا يبقى حبيس الملاعب ولا أدراج البحث العلمي، فنحن بحاجة إلى كشافين للمواهب فى المدارس، والجامعات، ومراكز الشباب، والمعامل، والمصانع، ومراكز البحث العلمي، والفنون، والإدارة العامة. فكما نبحث عن لاعب يصنع الفارق فى المستطيل الأخضر، يجب أن نبحث عن عالم يخترع، وطبيب يبدع، ومهندس يبتكر، ومبرمج ينافس عالميًا، وفنان يرفع الذوق العام، ومعلم يصنع الأجيال.
أكد الرئيس السيسى ضرورة وجود «كشافين متجردين» للمواهب الشابة والصغيرة، مؤكداً استعداد الدولة لدعم الكفاءات ومنحهم الفرصة التى يستحقونها، وكذلك دعم الجهاز الفنى الوطنى وتلك فرصة ودعوة لكل مسئول عن اكتشاف المواهب ورعايتها فى كل مجال ليقف فى وجه أعداء النجاح الذين يستميتون لبقاء الحال كما هو عليه لأنهم ببساطة يستفيدون من تلك الحالة المؤسفة رافعين راية «كله تمام» أو «ليس فى الإمكان أفضل مما كان»..!!
لقد اختتم الرئيس السيسى كلمته بالتأكيد على ضرورة مواصلة العمل الجاد، وبذل الجهد، والحفاظ على الروح، وبناء أجيال جديدة من اللاعبين للبناء على ما تحقق من نجاح.. أليست تلك دعوة لكل مسئول فى كل موقع أن يتجرد لوجه الله والوطن فيما يسند إليهم المناصب والمهمات وفى اختيار الكفاءات لنجد تغيرا حقيقيا فى كل مجال يرفع مصر لمكانها المستحق، ويرتقى بالأداء فى كل مجال.
ولعل أكثر ما يثير التأمل أن المصرى عندما يغادر وطنه كثيرًا ما يحقق نجاحًا لافتًا فى أوروبا وأمريكا ودول الخليج وغيرها. أطباء يتصدرون كبرى المستشفيات، وعلماء يقودون معامل الأبحاث، ومهندسون يديرون شركات عالمية، وخبراء فى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ورياضيون يحققون الإنجازات. فهل تغيرت عقولهم عندما عبروا الحدود؟ بالطبع لا. الذى تغير هو البيئة التى اكتشفت قدراتهم، ومنحتهم الفرصة، وحاسبتهم بمعيار الأداء لا بمعيار العلاقات.
ومن هنا، فإن الرسالة السياسية الأهم فى هذا اللقاء هى أن معركة التنمية تبدأ من عدالة الفرصة. فلا نهضة مع الواسطة، ولا تقدم مع المحسوبية، ولا تنافسية فى ظل إقصاء أصحاب الكفاءة. فالدول العظيمة لا تبنى مستقبلها بمن تعرف، وإنما بمن يستطيع.
ويحفظ تراثنا العربى هذه الحكمة البليغة: «قيمة كل امرئ ما يحسنه.» وهى عبارة تختصر فلسفة بناء الأمم؛ فالإنسان يقاس بما يقدمه، لا بما يحمله من ألقاب، ولا بمن يقف وراءه.
لقد أثبت المنتخب الوطنى أن الانضباط والعمل الجماعى والإخلاص يمكن أن يصنعوا المستحيل. وهذه ليست رسالة رياضية فحسب، وإنما درس فى الإدارة والسياسة والتنمية. فكما نجح الجهاز الفنى الوطنى فى تكوين فريق يمتلك شخصية وهوية وروحًا قتالية، تستطيع مؤسسات الدولة أن تصنع آلاف النماذج الناجحة إذا أصبح اكتشاف الموهبة ورعايتها سياسة عامة لا اجتهادًا فرديًا.
إن مصر، بتاريخها وحجمها وسكانها، لا ينبغى أن تنتظر ظهور «محمد صلاح» كل عشرين عامًا، بل يجب أن تمتلك منظومة قادرة على إنتاج عشرات من صلاح فى الرياضة، ومئات فى البحث العلمي، وآلافًا فى الصناعة والتكنولوجيا وريادة الأعمال والثقافة والإعلام.
ففى كل قرية طفل ينتظر من يكتشف موهبته، وفى كل نجع شاب يملك حلمًا يحتاج إلى فرصة، وفى كل حارة عقل يمكن أن يغير مستقبل وطن إذا وجد من يمد له اليد.
وهنا تتحول الرسالة من تكريم فريق إلى مشروع وطن: أن يصبح اكتشاف الموهبة واجبًا قوميًّا، وأن تكون الكفاءة وحدها طريق التقدم، وأن تتحول عبارة الرئيس السيسى عن «الكشافين المتجردين» إلى ثقافة عامة تحكم كل مؤسسات الدولة.
فالأمم لا تنهض بالأمنيات، وإنما بمنظومات عادلة تلتقط الموهبة أينما كانت، وتمنحها حقها كاملاً. وعندما تصبح مصر دولة تبحث عن الموهوب فى كل حارة وزقاق وقرية ومدينة، سنكتشف أن ثروتنا الحقيقية لم تكن يومًا فى باطن الأرض، بل كانت دائمًا فى عقول أبنائها وقدراتهم، وأن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به الدولة هو الاستثمار فى الإنسان، لأنه وحده القادر على صناعة المجد، وبناء المستقبل، وكتابة تاريخ جديد يليق بمصر.. وما أدراك ما مصر..!!









