امتدت تحديات التطرف لتلقى بظلالها على مختلف المجتمعات، مدفوعة بتصاعد الأزمات السياسية والانسانية وانتشار المعلومات المضللة وتنامى الاستقطاب الرقمي.. فبعد مرور ألف يوم على اندلاع الحرب فى قطاع غزة، لا تزال القضية الفلسطينية تتصدر المشهد العالمي. الأزمة اليوم تجاوزت البعد العسكرى لتتحول إلى ملف دولى متشابك، يجمع بين التحركات السياسية والقانونية، وتغيرات الرأى العام، وسط واقع إنسانى كارثي، حيث يشهد قطاع غزة دماراً هائلاً طال المستشفيات والمدارس والبنية التحتية، مع نقص حاد فى الغذاء والدواء، وتمثل جهود إعادة الإعمار وحماية المدنيين تحدياً دولياً عاجلاً، فى الوقت ذاته، استمر الحضور القوى للقضية فى الوجدان العالمي، وبرز ذلك فى الفعاليات الرياضية الكبري. ومن أبرز تلك الأمثلة، قيام مدرب المنتخب المصري، حسام حسن، برفع العلم الفلسطينى وإهداء الفوز للشعبين المصرى والفلسطينى خلال مباراة فى الولايات المتحدة، فى رسالة تضامن إنسانية.
كما تصاعدت الضغوط السياسية والقانونية، ففى أمريكا، جددت النائبة رشيدة طليب مطالباتها بوقف الدعم العسكرى لإسرائيل بسبب الانتهاكات الجسيمة. وفى أستراليا بدأت الشرطة الفيدرالية تحقيقات واسعة بشأن تورط مواطن أسترالي، خدم بالجيش الصهيوني، فى جرائم حرب محتملة. وأعلنت بلجيكا بدء استعداداتها لاحتمالية الاعتراف رسمياً بدولة فلسطين.
كما أظهر استطلاع حديث فى بريطانيا أن 50 % من المشاركين يعتبرون العمليات فى غزة «إبادة جماعية»، بينما عبر 55 % عن رفضهم لاستمرار التحالف البريطانى الصهيوني، مما يعكس فجوة متسعة بين الشعوب والسياسات الرسمية.
هذا بالإضافة إلى تحذيرات من استغلال الأزمة إذ حذرت تقارير أمنية ألمانية من استغلال الجماعات المتطرفة للصراع لنشر خطاب الكراهية. وفى ذات السياق، استمر الأزهر الشريف فى تأكيده على عدالة القضية الفلسطينية، محذراً من توظيف المعاناة الإنسانية لأغراض غير إنسانية، ومؤكداً على ضرورة الفصل بين التضامن السلمى المشروع والتطرف.
خارطة التطرف فى العالم
يشهد العالم تحولات متسارعة فى الخارطة الأمنية، حيث تستغل التنظيمات الإرهابية الهشاشة السياسية، والضعف المؤسسى فى بعض الدول، والنزاعات المسلحة لإعادة التموضع ونشر الفوضي. وفيما يلى استعراض لأبرز التطورات الأمنية وتداعياتها فى عدد من دول العالم.
تعانى سوريا من استمرار الانفلات الأمنى وتصاعد وتيرة العنف، سواء عبر التوغلات الصهيونية المتكررة فى الجنوب، أو التفجيرات التى طالت العاصمة دمشق مؤخراً والتى شملت استهداف محيط إقامة الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون خلال زيارته للبلاد. وتزيد مخلفات الحرب من معاناة المدنيين، مما يجعل الأراضى السورية، فى ظل ضعف السيطرة الأمنية، بيئة خصبة تسعى التنظيمات المتطرفة لاستغلالها لترتيب صفوفها، ونجحت الأجهزة الأمنية فى المغرب فى تفكيك خلية موالية لتنظيم «داعش» مرتبطة بقيادات فى منطقة الساحل الإفريقي، ويعكس هذا التطور الاستباقى اعتماد التنظيم مؤخراً على التحرك اللامركزي، وتشكيل خلايا صغيرة قادرة على التخطيط وتقديم الدعم اللوجستى بعيداً عن فكرة السيطرة المكانية، وتشهد ليبيا استمراراً لمحاولات التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها «داعش»، لاستغلال الفراغ الأمنى الناجم عن الأزمات السياسية، مما يفرض على الأجهزة المعنية تحديات مستمرة لملاحقة هذه العناصر ومنع تغلغلها فى العمق الداخلي، بينما يتفاقم الوضع الأمنى والإنسانى الكارثى فى السودان مع تواصل المعارك العنيفة بين الجيش وقوات الدعم السريع، لا سيما فى دارفور وشمال كردفان. وأسفرت الهجمات المتكررة عن انتهاكات واسعة ضد المدنيين ونزوح الآلاف، وسط تحذيرات من أن هذا الصراع لا يهدد استقرار الدولة فحسب، بل يمهد الطريق للجماعات المتطرفة وعصابات الجريمة المنظمة لاستغلال غياب الرقابة، فيما تواصل السلطات الألمانية تكثيف جهودها فى مكافحة الإرهاب، حيث أوقفت مؤخراً مشتبهاً بانتمائه السابق لتنظيم «داعش» وتبرز هذه الخطوة مدى أهمية التعاون الاستخباراتى والقضائى الدولى فى تتبع العائدين من مناطق الصراع وتفكيك شبكاتهم، وتؤكد الأجهزة الأمنية فى النمسا أن الخطر الأكبر على أمن البلاد لا يزال ينبع من التنظيمات المتطرفة مثل «داعش» و«داعش خراسان»، كما تتزايد التحذيرات من لجوء هذه الجماعات إلى أساليب تمويل حديثة، مثل العملات الرقمية، للإفلات من الرقابة المالية الصارمة، وحذرت السلطات الإسبانية من تنامى ظاهرة الاستقطاب الرقمى بشكل مقلق، حيث باتت الجماعات المتطرفة تستغل المنصات الإلكترونية، والألعاب الرقمية، وبرامج المحادثة الآلية لاستهداف وتجنيد فئات عمرية جديدة، خاصة من الشباب والمراهقين، وتواجه فرنسا تحدياً معقداً فى الموازنة بين حماية حرية التعبير ومكافحة التحريض على العنف، وهو ما ظهر جلياً فى إرجاء محاكمة النائبة الأوروبية ريما حسن بتهم مرتبطة بتمجيد الإرهاب، مما فتح باب النقاش حول الحدود القانونية للخطاب السياسي، كما تواجه باكستان موجة عنف متصاعدة، خاصة فى إقليمى خيبر بختونخوا وبلوشستان، حيث تنفذ الجماعات المسلحة هجمات نوعية تستهدف قوات الأمن والمنشآت الحيوية، بل وامتدت لاستهداف مدارس الفتيات فى مؤشر خطير على محاربة التعليم. ورغم إعلان السلطات مقتل واعتقال مئات الإرهابيين خلال النصف الأول من عام 2026، إلا أن سقوط ضحايا مدنيين يزيد من الاحتقان المجتمعى ويضاعف من تعقيد المشهد الأمني، فيما أعلنت القوات المسلحة فى بوركينا فاسو تكثيف عملياتها العسكرية الشاملة، مما أسفر عن تحييد مئات العناصر الإرهابية وتدمير معداتهم، وذلك فى إطار مساعى الدولة الحثيثة لاستعادة السيطرة وإحباط الهجمات المتكررة على المواقع الأمنية، وتتواصل العمليات العسكرية الجوية والبرية المكثفة فى مالى ضد الجماعات المتطرفة، فى ظل محاولات مستمرة من قبل هذه الجماعات لشن هجمات مباغتة ومنسقة على المدن والمراكز العسكرية، مستفيدة من التضاريس الصعبة وضعف السيطرة الحكومية فى بعض المناطق النائية، وتتزامن الهجمات المسلحة التى تشنها عناصر «داعش» فى غرب إفريقيا وجماعة «بوكو حرام» مع أزمة إنسانية خانقة تتمثل فى موجات النزوح الجماعى وانعدام الأمن الغذائي، مما يضعف من قدرة المجتمعات على الصمود ويزيد من تعقيد جهود الاستقرار.









