«مسيلمة الكذاب» أو مسيلمة بن ثمامة، رجل من بنى حنيفة وكان يقال له «رحمان اليمامة»، ادَّعى النبوة فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم، وكان يقوم بكثير من أعمال الدجل، وقد أظهر الله عز وجل كذبه، ولصق به لقب الكذاب، وعُرِف واشتهر فى كتب السِير والتاريخ والتراجم بمسيلمة الكذاب.
لا أدرى لماذا جال فى خاطرى هذا الرجل مدعى النبوة وأنا أتابع أحاديث وأفعال الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذى دأب منذ توليه مقاليد الحكم، لاسيما فى ولايته الثانية القيام بالعديد من الأفعال والأحاديث التى تؤهله بامتياز ليكون مسيلمة هذا الزمان، ولم لا وهو يمكنه فعل الشىء ونقيضه فى أقل من دقيقة !!
وظهر ذلك جلياً خلال الحرب التى شنتها الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلى على إيران، حيث ذكر ترامب مرارا وتكرارا أن الهدف منها إنهاء قدرات إيران النووية والصاروخية وبعد 40 يوماً من القصف العنيف لم يتحقق أى شىء من ذلك، وكذلك الحال بالنسبة لفتح مضيق هرمز الذى صدعنا الرئيس الأمريكى ليلا ونهارا بأنه سيكون مفتوحا أمام الملاحة خاصة بعد توقيع مذكرة التفاهم مع إيران، وها هو المضيق لايزال مغلقا أو بمعنى أدق لم يعد الحال كما كان عليه قبل الحرب، الأمر الذى جعل ترامب يلجأ إلى فرض 20 ٪ رسوماً على السفن التجارية التى تعبر المضيق بدعوى تعويض أمريكا عن قيامها بتأمين المرور بالمضيق .
وبمناسبة ادعاء مسيلمة الكذاب النبوة وتلقيه الوحى يذكرنى ذلك بما ذهب إليه ترامب بأنه أنهى 8 حروب منذ توليه المسئولية قبل عامين تقريبا لدرجة تؤهله للحصول على جائزة نوبل للسلام !!.
وهناك العديد من التقارير الصحفية والاعلامية العالمية خاصة فى أمريكا رصدت حتى الآن ارتكاب الرئيس الأمريكى أكثر من 30 ألف كذبة وهو رقم قياسى يستحق بجدارة أن يسجل فى موسوعة جينيز للأرقام القياسية العالمية !!.
ذكر الكاتب «ستيفن والت» ان ترامب أطلق خلال 6 شهور فقط من توليه الرئاسة أكثر من أربعة آلاف ادعاء كاذب أو مضلل وفقا لصحيفة واشنطن بوست، أى بمعدل 7.6 ادعاءات تقريبا كل يوم.
أوضح والت – أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد- أن الزعيم الكاذب لا يخدع الزعماء الآخرين أو الحكومات الأخرى غالبا، لأن عالم السياسة الدولية الذى يحكمه التنافس الشرس لا يسمح للقادة أو الحكومات بأخذ كلام نظرائهم على عواهنه.
ففى هذه الأوساط التى تندر فيها الثقة، يتحقق الزعماء مما يقوله نظراؤهم ويستوثقون منه قبل القبول به والتصرف على أساسه، لكن مع ذلك يرى الكاتب أن سلوك ترامب -الذى يصفه بأنه الكاذب الأعلى «بدلا من القائد الأعلى»- يضر بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة فى أربعة أوجه على الأقل أولها أن أكاذيب ترامب -كما يقول الكاتب- تجعل الأمريكيين يظهرون بمظهر الأغبياء أمام بقية العالم، فالبلدان الأخرى ترى أن نحو نصف الناخبين الأمريكيين عام 2016 صدّقوا ما يقوله ترامب ولم يبالوا بخدعه وإساءاته.
كذلك سلوك ترامب يهدم المثل العليا للولايات المتحدة، فحينما يكون للدولة رئيس لا يبالى بالحقيقة ويعمل جاهدا على نزع مصداقية أى فرد أو مؤسسة تختلف معه، لن يبقى فارق كبير بين الولايات المتحدة و كل الأنظمة الاستبدادية الأخري، حسب تعبير الكاتب.
ويواصل الكاتب أنه حين يتفشى الكذب وفساد الخطاب تتراجع الثقة فى المجال العام ولا يصبح الخوف من نظرة الرأى العام رادعا لسوء السلوك. وفى مثل ذلك الوضع يتوجب على السلطة التشريعية تبنى المزيد من القوانين واللوائح لمحاصرة الكذب والفساد.
وأخيرا يرجح الكاتب أن نزعة ترامب إلى الكذب تقوض قدرته على القيام بعمل دبلوماسى فعال، فالزعماء الذين كذب عليهم ترامب -مثل رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو- قد يأخذون الأمر على محمل شخصي، ويحجمون عن إسداء أى خدمة لترامب أو الولايات المتحدة فى المستقبل.
وكذلك سيكون حال مواطنى الدول الأخرى، وسيحجم زعماؤها عن التعاون مع الولايات المتحدة حتى إذا رغبوا فى ذلك بسبب مواقف شعوبهم تجاه الكذب الأمريكى.









