بعد الافتتاح التاريخى للمتحف المصرى الكبير، يتربع هذا المقصد السياحى مجدداً وبقوة على عرش الوجهات العالمية الأكثر جذباً وإبهاراً. هذا الصرح الذى ينظر إليه باعتباره معجزة معاصرة تضاف لعجائب الدنيا، لا يمثل فحسب نقطة تفوق أثري، بل يفرض علينا التزاماً حضارياً شاملا. إلا أن النجاحات الكبرى والمشاريع القومية العملاقة، رغم عظمتها، تظل مهددة بنواقص قد يراها البعض «تفاصيل صغيرة وهامشية»، لكنها فى وجدان السائح تشكل عصب التجربة الحقيقية والواجهة الواقعية التى يراها ويوثقها وينقلها للعالم يوميا.
إن الزائر الأجنبى الذى يأتى من أقصى الأرض ليتأمل عظمة بناة الأهرامات وهيبة تمثال أبو الهول، لا يقتصر مساره على المنطقة الأثرية الرسمية فحسب، فالواقع المعاش يثبت أن السائح العصرى يفضل بطبعه وشغفه التجول فى المناطق المحيطة لمعرفة المزيد عن حياة السكان، والتسوق من المحال التجارية، والجلوس على المقاهى وتناول الطعام المصرى فى المطاعم المنتشرة بالمنطقة. وهنا تحديداً تكمن أهمية العناية بكل تفصيل من تفاصيل هذه المناطق، وتحويلها إلى ثورة خدمية شاملة لا تحتمل التأجيل.
إذا أردنا تشخيص الأزمة بدقة لنضع أيدينا على مواطن الإهمال، فلننظر إلى الشوارع الجانبية المحيطة بالأهرامات، وعلى سبيل المثال «شارع السمان» القريب من الأهرامات الثلاثة وتمثال أبو الهول. هذا الشارع الحيوى بات اليوم نموذجاً للإهمال الخدمى، رغم أنه من أكثر الشوارع ارتيادا من قِبل السياح، فالمنطقة باتت تضم عددا متزايدا من الشقق والغرف الفندقية، وتشهد حركة يومية دءوبة من الزوار الذين يتجولون سيرا على الأقدام للتفاعل مع الحياة المحلية.
غير أن المشهد الصادم للقمامة المنتشرة، يصدم الزائر منذ اللحظة الأولى، وكأننا نوجه له دعوة صريحة بنقل صورة لا تليق بمصر ولا بتاريخها. إن تمهيد هذه الطرق، والارتقاء بالنظافة والإنارة، ليست مجرد كماليات، بل هى أولى خطوات رسم الانطباع الأول الذى لا ينسى.
كما يجب وضع حد حاسم لممارسات بعض «الخيالة» الذين يستغلون السياح بفرض أسعار مبالغ فيها ويعاملونهم بأساليب تفتقر لأدنى درجات الاحترام والتحضر. إن تعزيز الأمن وتشديد الرقابة يمثلان الضمانة الأساسية لسلامة السياح والمواطنين، وبث رسالة طمأنينة تؤكد أن مصر بلد يحترم زواره فى كل زاوية من زواياه.
من أكثر السلبيات التى تحول المنطقة إلى بيئة طاردة لا جاذبة، هو انتشار المقاهى العشوائية فى شارع أبو الهول السياحي، والتى تحتل الشارع وتتسبب فى أزمات مرورية خانقة ودائمة.
إن فرض السيطرة الكاملة على هذه المقاهى وإلزامها بالحدود القانونية ليس محاربة لأرزاق الناس، بل هو تنظيم واعٍ يمنع الفوضى ويحفظ كرامة الشارع العام ويسمح بحركة مرورية وانسيابية تليق بمكانة المنطقة. فلا يمكن أن نترك الشوارع الاستراتيجية المؤدية لأعظم آثار العالم تحت رحمة العشوائية والإشغالات الفجة.
ما يزيد من خطورة وحساسية هذه المشكلات أن العديد من السياح يوثقون هذه المشاهد السلبية بكاميراتهم وينقلونها فورا على منصات التواصل الاجتماعي، فتصبح الصورة التى نريد تصديرها للعالم ملوثة بمشاهد الإهمال والفوضي. نحن لسنا بحاجة إلى مشاريع ضخمة جديدة فى الشوارع المحيطة بقدر حاجتنا إلى إرادة حقيقية لتحسين الواقع الحالي.
لذا، ومن منطلق الحرص التام، فإننا نناشد محافظ الجيزة بأن يولى هذه الشوارع المحيطة اهتماما مباشرا ومستداما، إن معالجة هذه السلبيات وتطوير المناطق المحيطة بالأهرامات بشكل شامل ومستدام ليس مجرد قضية خدمية ، بل هى قضية وطنية ترتبط ارتباطا وثيقا بسمعة مصر ومكانتها كوجهة سياحية عالمية. وإذا أردنا للسائح أن يخرج بانطباع يشيد بالحضارة المصرية العظيمة ويظهر وجهها الحقيقي، فإن التطوير يجب أن يمتد ليشمل كل التفاصيل. إنه نداء وتكاتف مطلوب بين الجهات الحكومية، والمجتمع المدني، والسكان، لتصبح المنطقة مرآة مشرقة تفخر بها الدولة المصرية أمام العالم.









