يعيش سكان القرى والنجوع حالة من الذعر والترقب مع حلول فصل الصيف؛ حيث تدفع درجات الحرارة المرتفعة الثعابين والعقارب إلى الخروج من جحورها وشقوق الأرض. ويزيد من تفاقم الأزمة غياب تطهير الحقول من الحشائش الكثيفة، وإهمال نظافة بعض الترع والمصارف، مما أدى مؤخرًا إلى وقوع وفيات، من بينها 3 حالات في محافظة الشرقية، بالإضافة إلى تعرض أطفال للدغات أفعى “الطريشة” في بعض المحافظات الحدودية.
هذا الوضع استوجب رفع حالة الطوارئ القصوى بالمستشفيات وتوفير الأمصال الكافية، بالتوازي مع إطلاق تحذيرات للمواطنين بضرورة توخي الحذر، لا سيما في المناطق الصحراوية والزراعية، واتخاذ التدابير الوقائية لتجنب خطر هذه الزواحف السامة.

أولاً: خريطة الثعابين في مصر (بين السام والنافع)
أوضح الدكتور عاطف محمد كامل أحمد (مؤسس كلية الطب البيطري بجامعة عين شمس، ورئيس قسم الحياة البرية وحدائق الحيوان، والأمين العام المساعد للحياة البرية بالاتحاد العربي لحماية الحياة البرية والبحرية) أن البيئة البرية المصرية تضم حوالي 36 نوعًا من الثعابين. وتنقسم هذه الأنواع إلى فئتين رئيستين:
1. الأنواع السامة (تشكل خطراً حقيقياً على الحياة):
- الكوبرا المصرية: أفعى كبيرة الحجم وعدائية، تنتشر في الدلتا والمناطق الزراعية، ويهاجم سمها الجهاز العصبي.
- الكوبرا النوبية وبخاخة السم الحمراء: تتواجد في جنوب مصر، وتمتلك القدرة على بخ السم بدقة نحو عين الضحية.
- الأفعى المقرنة (الطريشة): تعيش في البيئات الصحراوية، وتتميز بوجود قرنين فوق عينيها ولونها المتماهي مع الرمال.
- الأسود الخبيث (بثور الأنابيب): ثعبان صغير الحجم داكن اللون، يتميز بأنيابه المتحركة الخارجة عن فمه وصعوبة الإمساك به بأمان.
- أفعى الأهرام (الغريبة): تنتشر في الواحات وسيناء، ويسبب سمها سيولة حادة ونزيفاً دموياً شديداً.
- الصل الأسود: ثعبان صحراوي سام للغاية ذو لون أسود لامع.
2. الأنواع غير السامة (مسالمة وصديقة للبيئة):
أشار د. كامل إلى أن هذه الأنواع تفر غالباً عند مواجهة البشر، وتلعب دوراً هاماً في مكافحة القوارض، ومنها:
- الثعبان الأرقم: ضخم الحجم لكنه غير مؤذٍ للبشر.
- الدسّاس (البويا الرملية المصرية): ثعبان صغير غليظ الجسم يعيش تحت الرمال ويتغذى على القوارض.
- ثعبان الماء (النرد): يعيش قرب الترع وضفاف النيل ويتغذى على الأسماك والضفادع.
- ثعبان الحقل الأسود: مفيد جداً كونه يتغذى على الأفاعي السامة الأخرى.
- الثعبان الصخري: يتميز بسرعته العالية في الحركة والتخفي.
- ثعبان البيوت الأفريقي: يدخل المنازل الريفية بحثاً عن الفئران دون تشكيل خطر على الإنسان.
ثانياً: سبل الوقاية البيئية وتأمين المنازل
بما أن الثعابين تنشط بكثافة صيفاً، فقد حدد د. عاطف كامل مجموعة من الإجراءات الوقائية لتأمين البيئة المحيطة والمنازل:
1. الوقاية الخارجية (خط الدفاع الأول):
- تنظيف المحيط: التخلص من الحشائش الطويلة، والركام، والقمامة حول المنازل.
- مكافحة القوارض: القضاء على الفئران لقطع مصدر الغذاء الرئيسي الذي يجذب الثعابين.
- زراعة نباتات طاردة: مثل الشيح، واللافندر، والليمون حول الأسوار؛ حيث تكره الزواحف رائحتها.
- الإنارة الليلية: استخدام الكشافات الضوئية دائماً عند السير ليلًا في المناطق الريفية أو الجبلية المظلمة.
- الملابس الواقية: ارتداء أحذية طويلة وسراويل سميكة عند العمل في الأراضي الزراعية.
2. تأمين المنازل هندسياً (سد المنافذ):
- سد الشقوق العميقة: استخدام الفوم الرغوي الصلب (Polyurethane Foam) حول مواسير الصرف والتكييف، ثم تغطيته بطبقة إسمنتية لمنع القوارض من قضمه.
- سد الفتحات الصغيرة: استخدام معجون السيليكون العازل حول إطارات النوافذ والأبواب.
- حواجز الأبواب السفلى (Door Sweeps): تثبيت حواجز معدنية أو مطاطية سميكة أسفل الأبواب لمنع التسلل.
- الشبك المعدني: تركيب سلك شبكي معدني مجلفن (فتحاته أقل من 0.5 سم) على النوافذ والبالوعات ومصارف المياه.
- سلك الأواني النحاسي (Steel Wool): حشو الفراغات المحيطة بمواسير الغاز والكهرباء به، ثم تغطيته بالإسمنت؛ لأن القوارض والزواحف لا يمكنها اختراقه أو قضمه.
- تعديل البيئة المحيطة: قص فروع الأشجار الملاصقة للنوافذ أو الأسطح لقطع “الجسور الطبيعية” التي تسلكها الثعابين، وإبعاد أكوام الحطب والحجارة بمسافة لا تقل عن 3 أمتار عن سور المنزل.
حقائق من القائمة الحمراء (IUCN): تختلف تصنيفات الثعابين المصرية عالمياً؛ فبينما تُصنف الكوبرا المصرية كنوع “أقل قلقاً” (LC) عالمياً رغم تراجع أعدادها محلياً، يُدرج الثعبان الأسود الخبيث (الكوبرا الصحراوية) كنوع “معرض للانقراض” (VU)، ويُصنف ثعبان البيض المصري كنوع “مهدد بالانقراض” (EN) نتيجة تجزئة الموائل والتجارة غير المشروعة.
ثالثاً: النمس المصري.. «عزرائيل» الثعابين وصمام أمان البيئة
أكد الدكتور عاطف كامل أن النمس المصري (Herpestes ichneumon) يمثل حامي البيئة الأول والبديل الطبيعي للمبيدات الكيماوية؛ كونه يسيطر على أعداد الزواحف والقوارض.
- السلوك والغذاء: هو حيوان ذكي ونحيل، يتغذى على القوارض، والزواحف، والبرمائيات، ويمتاز بمهارته في كسر البيض بذيله وأرجله.
- مواجهة الأفاعي: يتمتع النمس بمقاومة بيولوجية جزئية لسموم الثعابين (خاصة السموم العصبية)، مما يجعله الصياد الفتاك للكوبرا؛ حيث يتعقبها بحاسة شمه القوية ويهاجم جحورها، مانعاً تكاثرها قرب المناطق السكنية.
- أليف تجاه البشر: النمس حيوان حذر يتجنب الإنسان ويهرب فور شعوره بحركته، ولا يهاجم البشر مطلقاً إلا في حالة حصاره أو الدفاع عن صغاره.
- أسباب تراجعه: يواجه النمس خطر التناقص بسبب الصيد الجائر، وتجريف الأراضي، والإفراط في استخدام المبيدات الكيماوية؛ مما يهدد التوازن البيئي الطبيعي. يتواجد بكثافة في وسط وجنوب الدلتا، وعلى ضفاف النيل والترع وسط أحراش البوص، وكذلك في بعض الواحات والمحميات الطبيعية كـ “العميد”.

رابعاً: الإسعافات الأولية الصحيحة لمصابي اللدغات
وضعت الدكتورة ميادة محمود بشير (استشاري أمراض الباطنة والكلى) دليلاً علمياً للتعامل السريع والصحيح عند التعرض للدغة ثعبان:
الخطوات الصحيحة فور الإصابة:
- الهدوء التام: التخلي عن الذعر؛ لأن التوتر يزيد من ضربات القلب مما يسرع انتشار السم في الجسم.
- غسيل الجرح: تنظيف مكان اللدغة بالماء والصابون.
- تثبيت الطرف المصاب: إبقاء العضو المصاب مستقراً وتجنب تحريكه تماماً لإبطاء انتشار السم عبر الليمف والدم.
- نزع الإكسسوارات: خلع الخواتم، والأساور، والساعات، والأحذية قبل حدوث تورم في الطرف المصاب.
- التوجه الفوري للمستشفى: نقل المصاب لأقرب مستشفى عام مجهز؛ حيث تتوفر الأمصال مجاناً وغرف الرعاية المركزة.
- توثيق شكل الثعبان: يفضل تصوير الثعبان (إن أمكن وبأمان) ليتسنى للأطباء تحديد المصل النوعي المناسب بدقة.
محظورات خطيرة تجنبها تماماً:
- يُحظر مص السم بالفم أو شق مكان الجرح بالسكين.
- يُحظر وضع الثلج أو تطبيق مواد كيميائية على مكان اللدغة.
- يُحظر ربط الطرف برباط ضاغط قوي (تورنيكيه)؛ لأنه قد يحبس الدم تماماً ويؤدي إلى تلف الأنسجة وبتر الطرف.
- يُحظر تناول أدوية قد تسبب سيولة الدم (يُسمح فقط بـ “الباراسيتامول” كمسكن للألم).

خامساً: غياب أقسام السموم في الوحدات الصحية.. ورؤية للحل
عبر الدكتور حمدي عرفة (أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية وخبير استشاري البلديات الدولية) عن استيائه من بطء التعامل المحلي مع ملف انتشار الزواحف في القرى والعزب، مقدماً رؤية تنفيذية عاجلة لحل الأزمة:
- الوضع الحالي: يوجد 20 مركزاً فقط للسموم في عواصم المحافظات، بينما تفتقر أغلب الوحدات الصحية بالقرى (البالغ عددها 1411 وحدة محلية قروية تخدم آلاف العزب والنجوع) للأمصال الكافية أو الأقسام المتخصصة.
- المطالب الإدارية: إنشاء أقسام ووحدات للسموم في الوحدات القروية والأحياء والمراكز؛ حيث تبلغ تكلفة إنشاء الوحدة الواحدة حوالي 400 ألف جنيه تقريباً.
- المشاركة المجتمعية والصناديق الخاصة: نظراً لأعباء الموازنة العامة، يقترح د. عرفة إشراك القطاع الخاص والعمل الأهلي، مع قيام المحافظين بتخصيص جزء من الصناديق الخاصة بالمحافظات لدعم وزارة الصحة في توفير الأمصال وتحديث الوحدات.
- فِرق صيد متخصصة: الاستعانة بفرق محترفة لاصطياد الزواحف بالتعاون مع الأطباء البيطريين وصيادي الزواحف داخل الوحدات الصحية (نظراً لعدم جدوى البيض المسموم مع الثعابين)، مع العلم أن “النافذة الذهبية” لإنقاذ المصاب تتراوح بين 30 دقيقة وساعتين فقط قبل حدوث الوفاة.
- لجان تنسيقية دورية: يطالب د. عرفة كل محافظ بتشكيل لجنة دورية تضم ممثلين عن وزارات (الصحة، الزراعة، الري) بالإضافة إلى الطب البيطري والبيئة لتطهير المصارف، وإزالة القمامة ومخلفات الهدم التي تمثل بيئة خصبة لتكاثر الثعابين.
إحصائية مقلقة: تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن 5 ملايين نسمة يتعرضون سنوياً للدغات الثعابين حول العالم، مما يؤدي إلى نحو 2.5 مليون حالة تسمم، وما لا يقل عن 100 ألف حالة وفاة سنوياً.









