حين تختار لجنة السياسة النقدية تثبيت الفائدة للمرة الرابعة على التوالى، فإنها لا تقرر قراراً روتينياً بقدر ما ترسل رسالة مدروسة، مفادها أن معركة التضخم لم تُحسم بعد رغم كل المؤشرات المطمئنة. تراجع التضخم السنوى إلى 14.3 ٪ فى يونيو، مقارنة بـ 14.6 ٪ فى مايو، رقم يبدو صغيراً على الورق، لكنه فى جوهره يمثل ثمرة سنوات من التشديد النقدى المؤلم، ودليلاً على أن السياسة النقدية بدأت أخيرا تحصد ما زرعته.
لكن الأهم من الرقم نفسه، القراءة التى بُنى عليها القرار.. فالبنك المركزى لم ينظر إلى التضخم السنوى وحده، بل رصد أن التضخم الشهرى ارتفع من 1.1 ٪ إلى 1.6 ٪، وهو تفصيل قد يبدو هامشياً لغير المتخصص، لكنه بالنسبة لصانع القرار النقدى يعنى شيئا واحداً، أن الطريق نحو الاستقرار مازال متعرجاً، وأن أى تسرع فى خفض الفائدة الآن قد يعيد إشعال ضغوط سعرية بدأت بالكاد فى الانحسار.
هنا تحديداً تكمن أهمية الربط بين قرار الفائدة وسوق الذهب.. فالفائدة المرتفعة تقليدياً تنافس الذهب كوجهة للادخار، لأنها تمنح المدخر عائداً مضموناً دون مخاطرة، بينما الذهب لا يمنح عائداً دورياً، بل يعتمد على ارتفاع سعره فقط.. حين تُثبَّت الفائدة عند مستوياتها المرتفعة الحالية، يظل الذهب فى موقع الند الأضعف أمام أدوات الادخار المصرفى، وهذا ما يفسر جانباً من استقرار حركة الطلب المحلى عليه رغم تقلبات أسعاره العالمية.
غير أن الصورة ليست بهذه البساطة.. فالذهب فى مصر لا يتحرك فقط بمنطق العائد المقارن، بل يتأثر بعوامل أخرى موازية، أبرزها سعر الأوقية عالمياً، والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة فى أكثر من منطقة، وهى عوامل تدفع مستثمرين كثراً حول العالم للجوء إلى الذهب كملاذ آمن، بصرف النظر عن مستوى الفائدة المحلية فى أى دولة بعينها.. لهذا فإن ثبات الفائدة المصرية لا يعنى بالضرورة ثبات سعر الذهب، بل يعنى فقط أن أحد عوامل الضغط عليه محلياً لم يتغير.
أما على صعيد الاستثمار بشكل أعم، فإن استقرار الفائدة لفترة أطول يحمل ميزة لا يجب التقليل من شأنها، وهى القدرة على التخطيط.. فالمستثمر الذى يعرف أن تكلفة التمويل لن تتغير خلال الأشهر المقبلة، يستطيع أن يبنى قراراته على أرضية أكثر ثباتاً، بعيداً عن مفاجآت الرفع أو الخفض المفاجئ.. لكن فى المقابل، هذا الثبات نفسه يعنى أن كلفة الاقتراض مازالت مرتفعة، وأن أى مشروع يعتمد على التمويل المصرفى بكثافة سيظل يتحمل عبئاً مالياً لا يستهان به.
فى النهاية، إن قرار تثبيت الفائدة، وإن بدا للوهلة الأولى قراراً محافظاً لا يحمل جديداً، هو فى الحقيقة انعكاس لموازنة دقيقة بين رغبة فى دعم النمو ومخاوف مشروعة من انتكاسة تضخمية.. وبين هذا وذاك، يبقى الذهب والاستثمار كلاهما رهينين بمعادلة أكبر من الفائدة وحدها، معادلة تتقاطع فيها القرارات المحلية مع متغيرات عالمية لا تتوقف عن الحركة.









