أزعم أننى واحدة من المنحازين لرجال الشرطة والمدافعين عنهم بشكل كبير باستثناء من يخرج فيهم على مقتضيات واجباته الوظيفية والإنسانية أيضاً فى التعامل مع الآخر وقد يبرر البعض هذا بكونى زوجة لأحد المنتمين لهذا الجهاز العظيم ولكن هذا غير صحيح على الإطلاق وانحيازى ودفاعى عن رجال الشرطة بدأ قبل أن اتعرف على زوجى بسنوات ولى أسبابى ومرجعيتى فى ذلك.
كنت طفلة فى الثامنة من عمرى عندما كان أبى يشترى لنا الجرائد والمجلات ومن بينها مجلة الشباب وقت أن كان يرأس تحريرها القدير عبد الوهاب مطاوع قبل أن يصيبها ما أصاب الصحافة بشكل عام.. المجلة كانت متنوعة الأبواب وتضم مجموعة من كبار الكتاب التى نجحت أقلامهم فى تشكيل وعى جيلى.
من ضمن كتاب الشباب كان العظيم محمود سالم مؤلف سلسلة أدب الأطفال الشهيرة «المغامرون الخمسة» وكان يكتب فى كل عدد قصة بوليسية أبطالها اثنين من رجال الشرطة هما المفتش سامى والرائد حسام وفى كل مرة تتناول القصة جريمة تقع والقارئ للأحداث يظن أن الجانى سيفلت من العقاب إلا أن جهود الضابطين دائماً ما تكتب النهاية العادلة.
رغم أننى ابتعدت عن العمل الأمنى منذ سنوات إلا أنه فى كل مرة أتواجد فى موقف يستدعى التعامل مع رجال الشرطة أتطوع لأداء المهمة ليقينى أننى أتعامل مع أصحاب رسالة الأمر الذى جعلنى أبادر منذ عامين بالتواصل مع اللواء دكتور محمود قمرة مساعد الوزير للوثائق أثناء تجهيز الجريدة للرحلة التى تنظمها سنوياًً لأوائل الثانوية العامة منذ الستينيات لإحدى الدول الأوروبية وتحدد الموعد مبكراً بسبب ظروف الطيران وحجز الفنادق وبات علينا الإسراع فى استخراج جوازات سفر للأوائل خاصة أبناء المحافظات الذين لن يمهلنا الوقت لانتظار استخراج الجوازات من محافظاتهم مع ضرورة تقديم الأوراق للسفارة فى موعد محدد.
قدمت نفسى لمساعد الوزير وشرحت له ما نفعل فى الرحلة طالبة مساعدته فى إنجاز أمر جوازات السفر للأوائل فكان رده «حضراتكم بتعملوا عمل جليل ويسعدنا المشاركة فيه» وأعطى تعليمات لمدير مكتبه باستقبالهم وسرعة إنهاء الإجراءات الخاصة بهم حتى جاء موعد السفر وكانت المفاجأة فى المطار التى كادت أن تفسد كل شىء.
فوجئت بأحد الزملاء يبلغنى بوجود مشكلة كبيرة قد تتسبب فى عدم سفر 12 طالباً وطالبة من الأوائل لأنهم دون الثامنة عشرة بعد صدور قرار بذلك من مجلس الوزراء منذ خمسة أشهر نص على أن سفرهم يتطلب استخراج تصريح من الجوازات.. محاولات اتصالات مع كل من يملك المساعدة لتجاوز هذا المأزق القاتل فى الوقت الذى وقف أحد الضباط ليقول «التصريح لازم يجى لى مكتوب وخلاف ذلك لن يسمح لهم بالسفر» كلماته كانت كفيلة أن تميت بداخلنا أى أمل لتتبدل الفرحة على وجه الجميع سواء المسافرين منهم أو غير المسافرين إلى دموع لم يفلح أصحابها فى حبسها.
وجدت نفسى اتصل باللواء محمود قمرة طالبة منه النجدة لكنه لم يجب الاتصال هذه المرة وتكرر الأمر لألقى نفس النتيجة ليتبدد أى أمل فى نهاية سعيدة كتلك التى نشاهدها فى الأعمال السينمائية لكن يقيناً داخلياً فى الرجل الذى ساعدنا أول مرة بلا سابق معرفة دفعنى لإرسال رسالة شارحة للموقف مرت بعدها اللحظات قاسية ونحن نودع الممنوع سفرهم بأمر اللوائح والقرارات ومع ختم الجواز وعبور البوابات وجدت الرجل يتصل طالباً منى سرعة التوجه لمدير الجوازات فى المطار فى نفس الوقت يبلغ مدير مكتبه بإرسال إشارة عاجلة بالموافقة على سفر الطلبة وظل يتابع معى حتى تم إنهاء كافة الإجراءات لينتهى الحوار بيننا بجملة مازالت عالقة فى ذهنى «ما نقدرش نكسر فرحة أولادنا» لأعلم بعدها أنه فور قراءته الرسالة بادر بعرض الموقف على السيد محمود توفيق وزير الداخلية الذى أعطى تعليمات بسرعة إنهاء سفر الأوائل.
فتحية للإنسان اللواء محمود قمرة الذى رسخ بداخلى ما استقر فى يقينى عن رسالة رجل الشرطة وحولها من روايات كنت أقرأها إلى واقع عايشته.









