دكتور جمال مصطفى سعيد
انتهت مباراة مصر والأرجنتين، وانتهت معها الاحتجاجات، وأُسدل الستار على كل ما أثير حولها من جدل، واعتمدت النتيجة كما هى. لكننى، على غير عادة معظم المتابعين، لم أتوقف كثيرًا أمام قرار تحكيمى موجه، ولا أمام هدف أُلغى أو آخر احتُسب، وإنما ظلت تطاردنى صورة واحدة لم تفارق ذهنى منذ صافرة النهاية؛ تلك الدقائق العشر الأخيرة التى انقلب فيها كل شىء، وتحول فريق كان قاب قوسين أو أدنى من التأهل، إلى فريق يغادر البطولة، بينما انتزع منافسه بطاقة الصعود فى لحظات بدا فيها أن المباراة قد انتهت بالفعل.
وهنا وجدت نفسى أطرح سؤالاً لم يكن عن كرة القدم بقدر ما كان عن الإنسان نفسه.. لماذا يحدث ذلك؟ لماذا نخسر أحيانًا فى اللحظات التى تسبق النجاح مباشرة؟ ولماذا تكون الأمتار الأخيرة، فى كثير من الأحيان، أصعب من الطريق كله؟
أعرف أن الإجابة السهلة ستكون: ضعف اللياقة البدنية، أو سوء إدارة المباراة، أو براعة المنافس، وكلها عوامل لا شك فى أهميتها، لكنها لا تفسر الظاهرة كلها. فما حدث فى تلك الدقائق لم يكن مجرد تحول فى نتيجة مباراة، بل كان، فى تقديري، درسًا مجانيًا فى علم النفس الإنساني.
ولعل هذا ما أعاد إلى ذاكرتى موقفًا يتكرر معى كلما قدت سيارتى إلى الإسكندرية. فما إن أعبر بوابات الرسوم فى نهاية الطريق الصحراوي، حتى ينتابنى شعور داخلى غريب بأن الرحلة قد انتهت، وأننى وصلت إلى وجهتي، رغم أن البحر لا يزال يبتعد عنى قرابة خمسين كيلومترًا وهو هدفى النهائي. لا أدرى لماذا يحدث ذلك، لكننى أدرك أننى لست وحدي. فكثير من الناس يشعرون بالإحساس نفسه؛ وكأن العقل يعلن الوصول قبل أن تصل السيارة، ويحتفل بالنهاية قبل أن يسمح له الطريق بذلك.
وقد يظن البعض أن هذا مجرد انطباع شخصى أو تأمل عابر، لكن المدهش أن علم النفس السلوكى الحديث توقف طويلاً أمام هذه الظاهرة، وإن لم يمنحها اسمًا واحدًا. فهى ليست نظرية مستقلة بقدر ما هى نقطة التقاء لعدد من المفاهيم النفسية التى حاولت تفسير ما يحدث للإنسان عندما يشعر بأنه اقترب من نهاية المهمة. فمنها ما يعرف بظاهرة الإغلاق المبكر (Premature Closure)، حين يقتنع العقل بأن المهمة انتهت قبل اكتمالها، ومنها تأثير الاقتراب من الهدف Goal-gradient ـ Effect الذى يغير سلوك الإنسان كلما أحس أنه أصبح قريبًا من خط النهاية، ومنها الاطمئنان المفرط (Complacency) الذى قد يصيب الفرد أو الفريق عندما يعتقد أن النجاح أصبح مضمونًا، فيتراجع مستوى اليقظة والانتباه. ويضاف إلى ذلك ما يصفه بعض الباحثين بحالة الاسترخاء الذهنى بعد الإحساس بالنجاح (Mental Relaxation after Perceived Success)، أو ما يطلق عليه أحيانًا وهم خط النهاية (The Finish Line Illusion)، حين يحتفل العقل بالوصول قبل أن يصل الجسد بالفعل.
ورغم اختلاف هذه المفاهيم فى تفاصيلها، فإنها جميعًا تلتقى عند حقيقة واحدة؛ أن الإنسان قد يخسر فى اللحظات التى تسبق النجاح مباشرة، ليس لأنه فقد قدراته، وإنما لأنه فقد إحساسه بأن المعركة لم تنته بعد. وربما لهذا السبب لم تكن عبارة «حتى الرمق الأخير» مجرد تعبير بلاغى جميل، وإنما خلاصة خبرة إنسانية تراكمت عبر آلاف السنين. فقد أدرك الإنسان، قبل أن تفسرها نظريات علم النفس الحديثة، أن أخطر لحظات الطريق ليست بدايته، ولا منتصفه، وإنما تلك الأمتار القليلة التى يسبق فيها شعورنا بالنهاية… النهاية نفسها. ولذلك لا أعتقد أن ما حدث فى تلك المباراة كان استثناءً رياضيًا، وإنما هو صورة تتكرر كل يوم فى حياتنا دون أن نلتفت إليها.
فالطالب يشعر أنه نجح بمجرد خروجه من آخر امتحان، قبل أن تعلن النتيجة. وصاحب المشروع يبدأ الاحتفال قبل أن يوقع العقد الأخير. والباحث قد يظن أن رحلته انتهت بمجرد أن يكتب السطر الأخير من بحثه، مع أن أصعب ما ينتظره قد يكون مراجعة النتائج، أو مناقشة البحث، أو مواجهة النقد العلمي.
وأنا شخصيًا، بعد عشرات السنين فى غرفة العمليات، تعلمت أن أخطر دقائق الجراحة ليست دائمًا أثناء استئصال الورم، وإنما بعد استئصاله. فقد يشعر الجراح، ولو للحظة عابرة، بأن أصعب جزء من العملية قد انتهي، بينما تكون الدقائق التالية، من السيطرة على النزيف، ومراجعة الجرح، وعدِّ الشاش، ثم الإغلاق الدقيق، أكثر حساسية مما سبقها. ولهذا كان أساتذتنا يرددون دائمًا: «لا توجد عملية ناجحة حتى يغادر المريض غرفة العمليات سالمًا» وهى عبارة لم أفهم عمقها إلا بعد سنوات طويلة من الوقوف إلى جوار المشرط وعلى يمين المريض.
والأمر نفسه يعرفه الطيارون جيدًا. فمجرد رؤية المطار من نافذة الطائرة لا تعنى أن الرحلة انتهت، بل إن كتب الطيران تؤكد أن مرحلة الهبوط تظل أكثر مراحل الرحلة دقة وخطورة، لأن شعور الإنسان بأن النهاية أصبحت وشيكة قد يغريه، ولو دون أن يشعر، بتخفيف درجة يقظته.
هكذا يبدو أن الحياة كلها تعلمنا الدرس نفسه، ولكن بوسائل مختلفة. فخط النهاية ليس هو المكان الذى نراه بأعيننا، وإنما اللحظة التى نعبره فيها بالفعل. والعقل، للأسف، كثيرًا ما يخلط بين الأمرين.
ومن هنا فإننى لا أحب كثيرًا التعبير الشائع فى كرة القدم: «الوقت الضائع» فهذا الوقت ليس ضائعًا على الإطلاق، بل هو، فى الحقيقة، أغلى دقائق المباراة وأكثرها قيمة. إنه الوقت الذى تُختبر فيه الأعصاب، وتنكشف فيه الشخصيات، ويظهر فيه معدن اللاعبين الحقيقيين. وربما كان من الأدق أن نسميه «وقت الحقيقة»، لأنه الوقت الذى يقرر فيه التاريخ من يكتب اسمه فى سجل الفائزين. وفى المقابل، فإن الفريق الذى يتأخر فى النتيجة كثيرًا ما يلعب الدقائق الأخيرة وكأن المباراة تبدأ من جديد. فهو لا يملك رفاهية الاطمئنان، ولا يسمح لنفسه بأن يصدق أن الهزيمة أصبحت قدرًا محتومًا، ولذلك يقاتل حتى آخر ثانية. أما الفريق المتقدم فقد يقع ـ دون أن يشعر ـ فى أخطر فخ نفسى يمكن أن يواجهه الإنسان، وهو أن يسبق إحساسه بالنصر.. النصر نفسه.
وهنا تحديدًا يلتقى علم النفس بالحكمة الشعبية.
فقد ورثنا عن أجدادنا عبارة تبدو بسيطة، لكنها تحمل فلسفة كاملة فى إدارة الصراع، هى: «اللى تغلب به العب به» وكثيرًا ما أسيء فهم هذا المثل، فاعتبره البعض دعوة إلى التحايل أو تجاوز القواعد، بينما معناه الأعمق ـ فى تقديرى أن الإنسان مطالب بأن يوظف كل وسيلة مشروعة يملكها، وكل ما لديه من طاقة وخبرة، حتى آخر لحظة من المعركة، وألا يترك فرصة تضيع لأنه تصور أن النتيجة قد حُسمت. وربما كان هذا أحد أسرار الانتصارات التى تأتى فى اللحظات الأخيرة، وأحد أسباب الهزائم التى تقع بعد سيطرة طويلة. فالتفوق فى منتصف الطريق لا يضمن الفوز، والسيطرة على معظم زمن المباراة لا تكفى وحدها لصناعة التاريخ، لأن التاريخ لا يكتب إلا السطر الأخير.
وهنا تبرز حقيقة أخرى لا تقل أهمية عن فكرة «الأمتار الأخيرة»، وهى أن النجاح لا يعتمد على صحة الفعل وحدها، بل على توقيت الفعل أيضًا. فالدواء الذى ينقذ حياة مريض إذا أعطى فى اللحظة المناسبة، قد يصبح عديم الجدوى إذا تأخر، وربما كان خطرًا إذا أعطى قبل أوانه. والجراح قد يتخذ القرار الصحيح، لكن بعد فوات اللحظة المناسبة، فيفقد القرار كثيرًا من قيمته. والقائد العسكرى قد يملك الخطة العبقرية، غير أن تنفيذها فى توقيت خاطئ قد يحولها إلى سبب للهزيمة.. هكذا تعلمنا الحياة أن التوقيت ليس إطارًا للفعل، بل هو جزء من الفعل نفسه.
ولهذا فإن كثيرًا من المواقف النبيلة لا يُختلف على نبلها، وإنما يُختلف على توقيتها. فقد يفقد موقف عظيم جزءًا من أثره لأنه جاء فى غير أوانه، وقد تُساء قراءة رسالة سامية لأنها قيلت فى اللحظة الخطأ. فالأفعال لا تُقاس بصوابها وحده، وإنما يُقاس أثرها أيضًا بحسن توقيتها.
وقد رأينا فى مباراة سبقت كيف يتحول اهتمام الجماهير، أثناء المنافسة أو قبل اكتمال المهمة، من الإنجاز الرياضى إلى رسائل أخري، قد تكون نبيلة فى ذاتها، وليس المقصود هنا تقييم تلك الرسائل أو الاعتراض عليها، وإنما التذكير بحقيقة إنسانية بسيطة، هى أن لكل مقام مقال، ولكل رسالة وقتها. فما قد يلقى تصفيقًا وإجماعًا بعد اكتمال المهمة، قد يثير جدلًا لا داعى له إذا سبقها وقد يكون سببا غير مباشرا للخسارة .. وهذا ما قد حدث. فالزمن ليس مجرد إطار للأحداث، بل أحد العناصر التى تمنحها معناها. ولعل هذه القاعدة لا تنطبق على الملاعب وحدها، بل على حياتنا كلها.
لقد علمتنا الرياضة، كما علمتنا الجراحة، وعلمتنا الحياة نفسها، أن المنافس الأقوى ليس دائمًا هو الفائز، وأن أخطر خصم قد لا يكون من يقف أمامك، بل ذلك الصوت الخافت الذى يهمس داخلك قبل الأوان: لقد وصلت. والحقيقة أنك لم تصل بعد.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هو أن الهزيمة ليست أن يتفوق عليك منافسك.. بل أن يسبق إحساسك بالنهاية النهايةَ الحقيقية للمباراة.









