عندما تتخلى عن الإنسان الموهبة التى كرّس حياته لها ودار فى فلكها، أو يتخلى عنه ما يتقنه ويجعل منه قيمة فى دنيا البشر يصبح هذا الإنسان فى حالة فراغ نفسى لا علاج له لأن كل ما كان يحفزه على الاستمرار لم يعد موجودا. وإذا وصل الإنسان الى هذه الحالة التى يختفى فيها الدافع على البقاء ويختفى السبب للوجود والأمل الذى يسعى لتحقيقه يكون الإنسان قد مات حقا وإن ظل يتنفس ويتكلم ويأكل ويشرب ويتحرك.
لذا فإن الحلول العملية لهذه الحالة هو اختراع ما يعيد هذا الإنسان إلى منطقة الأمل ودائرة الشعور بالحاجة إليه ودائرة شعوره بحاجته إلى الاستمرار فى هذه الحياة لتحقيق هدف ما، أى أن الإنسان يصنع لنفسه أو يصنع له الناس من حوله أملاً يعيش من أجله ويصنع لنفسه أهمية يشعر من خلالها بأنه يؤدى ما يحتاجه الآخرون.
لذا فإن حماية الإنسان من الموت المعنوى أو الموت النفسى ليست مسئوليته وحده وإنما هو مسئولية المجتمع والمجتمع المقصود هم من حوله أولاً، ثم المؤسسات المختصة بسلامة الإنسان التى من شأنها أن تهتم بمسيرة حياته، صحيح أننى أتحدث الآن فى الخيال ـ من وجهة نظر البعض فى ضوء ظروف ما يعيشه المجتمع ـ لكنها الحقيقة، فالإنسان مسئول عن صناعة الأمل لنفسه أولاً بحيث لا يقع فى دائرة اليأس « والشعور باللاجدوى الذى قد يسقطه فى التفكير بصناعة نهاية حقيقية لحياته، كما أن المجتمع مسئول عن حمايته أيضًا بدءًا من المؤسسات التى ينتمى إليها ويتعامل معها وتتابعه كالنقابات أو الجمعيات أو المساجد أو الكنائس، فإذا فعلنا ذلك أنقذنا قطاعًا كبيرًا من المجتمع من آفة اليأس وانتظار الموت أو السعى إليه.
وكما قال الشاعر القديم:
إذا لم تستطع أمرًا فدعه
وجاوزه إلى ما تستطيع
وهو بيت شعر نسب إلى عمرو بن معدى كرب فى قصيدته التى مطلعها :
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِى السَّمِيعُ
يُؤَرِّقُنِى وأَصْحَابِى هُجُوعُ
كما نسب إلى دريد بن الصمة وهو يرثى أخاه خالدًا الذى نصحه بعدم الإغارة على إحدى القبائل لكنه صمم على الإغارة فذهب دريد معه فقتل معاوية وأصيب دريد ونجا من الموت بأعجوبة.
ومن نافلة القول :إن الأبيات المتشابهة والمتطابقة فى الشعر القديم أمر مألوف لأنه لم تكن هناك وسائل حفظ ما يقال إلا الحفظ فى الذاكرة وقد يرد على ذهن الشاعر أبيات كان يحفظها وهو ينسج قصيدته فلا يدرك أنها لغيره والأمثلة فى ذلك كثيرة.
المهم أن هذا البيت بسبب صدقه ومطابقته لحقيقة علمية تناسب استمرارية الحياة وتجاوز الفشل إلى ما يحقق نجاحًا حتى ولو تغير الهدف فقد عاش هذا البيت حيًا ليس فى أوراق الكتب ولكن فى عقول الرجال تتداوله الأجيال وتستشهد به فى لحظات القوة والسخرية ممن فشل وفى لحظات النصح الحقيقى للمرفقين بهم والحريصين عليهم.وفى حديث النفس وتأمل الخسائر فى طبق ما، لكن المؤكد أن هذه الحكمة البالغة التى اختصرها شاعر فارس حكيم فى كلمات قليلات تستطيع أن تفتح أبوابًا للأمل تأخذ بصاحبها إلى آفاق بعيدة.









