ما أكثر هؤلاء الأشخاص الذين نحرم مؤسساتنا من إمكاناتهم لا لشيء إلا لأنهم أذكياء ولديهم شخصية قوية، أخطر ما يواجه أى أمة هو الاستعانة بضعاف الهمة ومحدودى الإمكانيات، الكثيرون من الحمقى والاغبياء يتفاجئون بأنفسهم وقد ارتقوا مرتقى لم يدور بخلدهم يوماً ما، أعرف الكثيرين الذين كانوا غارقين فى مستنقع تفاهتهم وإذا بهم يجلسون على كراسى المسئولية التى لم يفكروا فيها يوماً ما، إلى كل هؤلاء الحمقى والأغبياء وإلى كل هؤلاء الضعفاء من محدودى الإمكانات الذين وصلوا إلى مناطق نائية عن جغرافية الجدارة والكفاءة، إلى كل هؤلاء أقول لكم: ليس لكم ذنب وليس عليكم عتاب، فالواقع يحتم علينا أن نتجاوز مرحلة الهجوم على الشخص ضعيف الإمكانيات الذى وصل إلى موقع أو مكان لا يستحقه، علينا أن نصل إلى المرحلة الثانية من الإشكالية، كيف تم اختياره ؟ وما المعايير التى تم الاختيار على أساساها ؟ومن الذى قام بعملية الاختيار من متعدد؟ وعلى أى أساس تم اختيار هذا المتعدد من بين الآخرين المؤهلين؟ تحضرنى قصة واقعية وحقيقية حدثت منذ سنوات، كان منصب رئيس مجلس إدارة إحدى المؤسسات الكبرى قد أصبح شاغراً، وهناك مرشحان كلاهما أقوى من الآخر من حيث الكفاءة المهنية والوظيفية وقوة الشخصية والقدرة على إدارة المؤسسة وتصحيح أوضاعها التى ساءت فى عهد رئيسها السابق الذى حولها إلى رجل مريض، كان كل مرشح منهما مدعوماً من شخص قوى فى دهاليز الدولة وقت أن كان هناك تطاحن بين جيل الشباب وجيل أصحاب الخبرات ممن أطلق عليهم الحرس القديم، وصل التطاحن مداه وكل مركز قوة كان يصر على أن يأتى بالرجل الذى يثق به ويرى أنه الأصلح من وجهة نظره، ولما احتدم الأمر دون حل، تدخل أحد حراس معبد التفاهة، وألقى أمامهم بحله السحرى ، توقفوا عن هذا الصراع فوراً، وحلاً للازمة لن يتم الاستعانة بأى من الشخصين المرشحين، ما رأيكم فى الاستاذ فلان ؟ فكانت صدمة الرجلين المتصارعين كبيرة، وقالوا فى نفس واحد « معقولة » هذا شخص ضعيف ومحدود الإمكانات وعديم الموهبة وربما يكون فاسداً أيضا! فرد الرجل القادم من مستنقع اللا مسئولية، نستعين بهذا الشخص مضطرين حلاً للصراع الدائر بين الديكة والثعالب الأقوياء، وقد كان، فجلس هذا الضعيف على الكرسى ولم يخرج إلا بعد أن سقطت المنظومة التى أفرزته بكاملها، هذا النموذج استشرى وتمدد فى مؤسساتنا وظن المتابع أن ذلك أصبح « سلو بلدنا»، وظن البعض الآخر أن مصر معدومة الكفاءات أو نضبت كفاءاتها فى أكبر عملة تجريف حدثت فى تاريخ مصر على مدار عقود مضت، الحقيقة مغايرة تماما لهذه الأطروحات السطحية، فمصر ولادة لا شك فى ذلك، ومصر مكتظة بأصحاب الإمكانيات والمواهب والمهارات، لكن السؤال كيف تصل إليهم؟ وما الجهة المسئولة عن هذا الوصول، بيد أننا أمام أزمة حقيقية تتعلق بآليات اختيار الكوادر وليس فقط إعدادها، الرئيس وهو يستقبل المنتخب الوطنى لكرة القدم تحدث بوضوح فى هذا الأمر وطالب بأن يكون هناك تجرد فى عمليات الاختيار والترشيح لأى مكان حتى لو كان لعب الكرة أو ممارسة الرياضة، فى تقديرى أن الوساطة أو المجاملة فى اختيار من يلعب باسم مصر تمثل جرماً فى حق الوطن لا يغتفر، فما بالنا باختيار مسئول ما فى جهة أو مؤسسة ما عن طريق غير طريق الكفاءة والجدارة، أرى أن ملف اختيار الكوادر يحتاج إلى من يفتحه بتجرد، وعلينا أن نتعلم من تجارب الآخرين، فالمثل يقول « أنا لست غبياً حتى أتعلم من أخطائي، على أن أتعلم من أخطاء الآخرين».









