في مشهد يعكس المكانة المتنامية التي تحتلها أوزبكستان على خريطة الحوار الحضاري والثقافي في العالم الإسلامي، شهدت العاصمة طشقند ومدينتى سمرقند وترمذ على مدار 4 ايام انعقاد المنتدى الدولي الأول للحضارة الإسلامية تحت شعار “الحضارة الإسلامية.. طريق السلام والتسامح والتنوير”، بمشاركة واسعة من كبار العلماء والوزراء والمفكرين والباحثين من عشرات الدول، تزامناً مع تنظيم مؤتمرين دوليين بمدينة سمرقند ومدينة ترمذ حول الإمامين أبي منصور الماتريدي والإمام محمد بن إسماعيل البخاري، في إطار جهود الدولة الأوزبكية لإحياء التراث الإسلامي وتعزيز الحوار بين الحضارات.
وجاءت المشاركة المصرية في هذه الفعاليات على مستوى رفيع، بما يعكس عمق العلاقات التاريخية بين القاهرة وطشقند، وحرص البلدين على تعزيز التعاون في مجالات التعليم والبحث العلمي والشؤون الدينية والثقافية.
وأكد المشاركون أن المنتدى منصة دولية لصياغة رؤية مشتركة حول مستقبل الحضارة الإسلامية ودورها في مواجهة تحديات العصر، عبر استعادة قيم العلم والرحمة والتسامح والتعايش التي شكلت أساس النهضة الإسلامية عبر القرون.
وشهدت الجلسات نقاشات موسعة حول دور الحضارة الإسلامية في بناء الجسور بين الشعوب، ومواجهة خطاب الكراهية والتطرف، وإحياء حركة البحث العلمي، والاستفادة من التراث الإسلامي في بناء مستقبل أكثر استقراراً وإنسانية، مع التأكيد على أن الحضارة الإسلامية قدمت إسهامات كبرى في العلوم والطب والفلك والفلسفة والرياضيات والآداب، وأسهمت في تشكيل الحضارة الإنسانية الحديثة.
كما استعرض المنتدى التجربة الأوزبكية في حماية التراث الإسلامي، خاصة بعد إنشاء مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، الذي يُعد أحد أكبر المشروعات الثقافية والعلمية في العالم الإسلامي، ويهدف إلى جمع المخطوطات النادرة، وحفظ التراث العلمي، وتقديمه للأجيال الجديدة بأساليب حديثة، بما يعزز مكانة البلاد باعتبارها موطناً لعدد كبير من كبار علماء المسلمين.
وخلال مشاركتهم في جلسات المنتدى، أكد أعضاء الوفد المصري أهمية تعزيز التعاون العلمي بين المؤسسات الدينية والجامعات ومراكز البحوث في مصر وأوزبكستان، بما يسهم في مواجهة الأفكار المتشددة ونشر الفكر الوسطي، مستندين إلى الإرث العلمي الكبير الذي تمتلكه المؤسستان الدينيتان العريقتان في البلدين، الأزهر الشريف ومؤسسات العلم الإسلامية في أوزبكستان.
وأبرزت كلمات المسؤولين المصريين أن الحضارة الإسلامية قامت على احترام الإنسان، وإعلاء قيمة العقل، وتشجيع الاجتهاد، والانفتاح على الثقافات المختلفة، وهو ما يجعلها قادرة على الإسهام في معالجة كثير من التحديات التي يشهدها العالم اليوم، وفي مقدمتها التطرف، والصراعات، وتصاعد خطاب الكراهية، والأزمات الإنسانية.
ولم تقتصر فعاليات المنتدى على الجلسات العلمية، بل تضمنت زيارات ميدانية لمشروعات ثقافية وتراثية كبرى، وفي مقدمتها مركز الحضارة الإسلامية في طشقند، الذي أصبح من أكبر الصروح العلمية والثقافية في العالم الإسلامي، ويضم آلاف المخطوطات والوثائق التاريخية النادرة، إلى جانب قاعات للبحث العلمي، والمتاحف، والمراكز التعليمية، بما يجعله مركزاً عالمياً لدراسة الحضارة الإسلامية.
وامتدت الفعاليات العلمية إلى مدينة سمرقند، التي احتضنت المؤتمر الدولي للإمام أبي منصور الماتريدي، أحد أبرز أئمة العقيدة الإسلامية ومؤسس المدرسة الماتريدية التي تمثل أحد أهم روافد الفكر الإسلامي الوسطي. وناقش المؤتمر إسهامات الإمام الماتريدي في ترسيخ منهج الاعتدال، وإعمال العقل في فهم النصوص، والتأكيد على أن الإسلام دين يدعو إلى الحوار والتسامح واحترام التنوع.
وأكد المشاركون أن فكر الإمام الماتريدي لا يزال يمثل مرجعًا مهمًا في مواجهة الأفكار المتشددة، وأن إعادة قراءة تراثه بمنهج علمي معاصر تسهم في بناء خطاب ديني قادر على التعامل مع المتغيرات الحديثة، دون التفريط في الثوابت الدينية.
كما شهدت مدينة ترمذ انعقاد المؤتمر الدولي للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، صاحب “الجامع الصحيح”، الذي يُعد أصح كتب الحديث النبوي بعد القرآن الكريم، حيث استعرض العلماء جهود الإمام البخاري في خدمة السنة النبوية، ومنهجه الدقيق في جمع الأحاديث وتمحيصها، وما تركه من إرث علمي أسهم في حفظ السنة النبوية عبر القرون.
وأكد المؤتمر أن الاحتفاء بأعلام الأمة الإسلامية لا يقتصر على استذكار سيرتهم، وإنما يهدف إلى الاستفادة من مناهجهم العلمية في ترسيخ قيم الدقة والموضوعية والبحث الرصين، وإبراز دور العلماء المسلمين في بناء الحضارة الإنسانية.
وشهدت المؤتمرات لقاءات ثنائية بين أعضاء الوفد المصري ونظرائهم من المسؤولين والعلماء في أوزبكستان، تناولت سبل توسيع التعاون بين الجامعات والمؤسسات الدينية، وتبادل الباحثين والطلاب، وإطلاق مشروعات علمية مشتركة في مجالات الدراسات الإسلامية، وتحقيق المخطوطات، والبحث العلمي، والحفاظ على التراث.
وأكدت المشاركة المصرية أن الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية ووزارة الأوقاف ووزارة التعليم العالي تمتلك خبرات علمية ومؤسسية كبيرة يمكن توظيفها في بناء شراكات استراتيجية مع المؤسسات الأوزبكية، بما يخدم قضايا الأمة الإسلامية ويعزز الاعتدال والتنوير.
كما عكست هذه المشاركة المستوى المتميز للعلاقات المصرية الأوزبكية، والتي شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا على مختلف الأصعدة، في ظل حرص قيادتي البلدين على توسيع آفاق التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والدينية.
رسالة حضارية من قلب آسيا الوسطى
وأجمع المشاركون على أن تنظيم أوزبكستان لهذه الفعاليات الدولية يؤكد نجاحها في استعادة مكانتها التاريخية باعتبارها إحدى أهم حواضر الحضارة الإسلامية، وأن مدنها التاريخية، وفي مقدمتها طشقند وسمرقند وترمذ، كانت ولا تزال منارات للعلم والمعرفة، ومنها خرج عدد كبير من كبار علماء المسلمين الذين أثروا الحضارة الإنسانية بمؤلفاتهم واكتشافاتهم.
كما أبرزت الفعاليات اهتمام أوزبكستان الكبير بالحفاظ على التراث الإسلامي، من خلال ترميم المواقع التاريخية، ورقمنة المخطوطات، وإنشاء المراكز البحثية والمتاحف، وتشجيع الدراسات الأكاديمية التي تسلط الضوء على إسهامات علماء المسلمين في مختلف العلوم.
واختتمت أعمال المنتدى والمؤتمرين بالتأكيد على ضرورة استمرار التعاون بين الدول الإسلامية في مجالات البحث العلمي، وحماية التراث، وتطوير الخطاب الديني، وتعزيز قيم السلام والتسامح والتعايش، باعتبارها المبادئ التي قامت عليها الحضارة الإسلامية وأسهمت في ازدهارها عبر العصور.
كما دعا المشاركون إلى إطلاق المزيد من المبادرات المشتركة بين المؤسسات العلمية والثقافية في العالم الإسلامي، وتوسيع برامج تبادل الخبرات، وتشجيع الأبحاث والدراسات التي تسهم في إبراز الصورة الحقيقية للحضارة الإسلامية بوصفها حضارة علم وبناء وإنسانية، بما يعزز الحوار بين الشعوب ويخدم مستقبل الأجيال القادمة مع التأكيد على ان التراث الإسلامي يمثل قوة ناعمة قادرة على بناء جسور التواصل بين الأمم، وترسيخ قيم المعرفة والسلام والاحترام المتبادل، وأن التعاون بين مصر وأوزبكستان في هذا المجال يفتح آفاقًا واسعة لشراكة استراتيجية تخدم العالم الإسلامي .







