الجمعة, يوليو 17, 2026
  • سياسة الخصوصية
  • إتصل بنا – جريدة الجمهورية
  • من نحن – جريدة الجمهورية

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفي

جريدة الجمهورية

رئيس التحرير

أحمد أيوب

  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
لا توجد نتائج
كل النتائج
  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
لا توجد نتائج
كل النتائج
جريدة الجمهورية
لا توجد نتائج
كل النتائج
الرئيسية ملفات

شيطان الجماعة (23) محمد بديع.. «أراجوز» التنظيم الذي ظنَّ نفسه سلطانًا

بقلم حسام الغمري
16 يوليو، 2026
في ملفات
شيطان الجماعة (3)

حسام الغمري

35
مشاهدات
شارك على فيسبوكواتس اب

التاريخ في جوهره ليس إلا مسرحًا هائلًا، تتبدل فوق خشبته الوجوه بينما تبقى الأدوار أكثر ثباتًا من مؤديها. وما أكثر الذين اعتقدوا أنهم أبطال العرض، بينما لم يكونوا سوى دمى خشبية تتحرك بخيوط لا يرونها. ولعل أكثر المآسي سخريةً ليست أن يتحول الإنسان إلى أداة، بل أن يصدق أنه السيد وهو الأداة، وأن يتوهم أن التصفيق الذي يسمعه إنما يعلو لشخصه، بينما الجمهور الواعي لا يرى فيه سوى الشخصية التي كُتبت له مسبقًا. وهنا تبدأ الخديعة الكبرى؛ فبعض الأقنعة لا تكتفي بإخفاء الوجه، بل تبتلع صاحبها حتى يعجز عن التمييز بين ذاته والدور الذي يؤديه.

وفي تاريخ الجماعات الإرهابية تصبح السلطة أخطر الأقنعة جميعًا؛ إذ تتحول إلى وثن نفسي يصنعه التنظيم لمن يجلس على قمته. يُمنح اللقب، ويُدفع إلى صدارة المشهد، ويُقال له إنه المرشد والبيعة له والطاعة له، بينما القرار الحقيقي يولد في مكان آخر، والخيوط الحقيقية تمسك بها أصابع أخرى لا تظهر فوق خشبة المسرح. وكلما ازداد الرجل اقتناعًا بأنه سلطان، ازداد ارتهانًا لمن صنعوا له هذا الوهم السلطاني.

وهكذا لم يكن محمد بديع مجرد قائد لجماعة إرهابية، بل كان التجسيد الأوضح لهذه الخدعة التنظيمية؛ أراجوزًا صدق أنه سلطان، فراح يضع ختم المرشد على قرارات لم يصنعها، ويتصدر مشهدًا لم يكتبه، بينما كانت اليد التي تحرك الخيوط لا تغادر ما وراء الستار.

من هذا المنطلق، التقط الأديب الإيطالي لويجي بيرانديللو (Luigi Pirandello 1867 – 1936) خيط الحقيقة، ليكتب عن تلك العلاقة المشبوهة بين الإنسان والدور الذي يلعبه؛ فالقناع يبدأ كخدعة للتعبير، وينتهي بسجن صاحبه داخل هويته المزيفة، ليصبح السجان والسجين في آن واحد.

وفي دهاليز جماعة الإخوان الإرهابية، لم تكن هذه الفكرة مجرد فلسفة مسرحية، بل كانت استراتيجية بقاء حتمية. وفي هذه الهياكل التنظيمية المصمتة، تذوب الفردية تماماً لصالح “المرشد الخفي” الكامن في عقلية التنظيم السري الميليشياوية.

وهنا يبرز السؤال العاري: هل كان المرشد يملك من أمره شيئاً؟ أم أن الأسوار الحديدية والبيعة العشائرية هي من صنعت منه واجهة كرتونية تحركها أصابع “مكتب الإرشاد” الفوقية؟ هل كان يمارس سلطة حقيقية، أم كان يعيش وهم التمكين الذي استنشق أدبياته حتى أعمى بصيرته؟

تأتي الحقبة السوداء لتولي “محمد بديع” منصب المرشد العام عام 2010، كأكثر المراحل كشفاً لعورات الجماعة وهشاشة بنائها الفكري. لقد كان بديع تجسيداً حياً لـ “وهم السلطان”؛ مجرد صدى باهت لخيرت الشاطر ورأس الأفعى محمود عزت. واجهة “قطبية” متشددة تم اختيارها بعناية فائقة لتمرير أجندة الصدام الحتمي مع الدولة والمجتمع. تزامنت ولايته مع زلزال عام 2011، ليندفع بالجماعة -مستنداً إلى وهم القوة الزائفة- نحو مقامرة كبرى انتهت بتمزيق أقنعتهم وعزل محمد مرسي شعبياً ووطنياً وأخلاقياً في يوليو 2013، ثم تشظي الجماعة إلى ثلاثة أجنحة متصارعة.

الفصل الأول: البيطري الذي ظنَّ أنه شخّص أمراض الوطن.. حين تحول المجتمع إلى عينة في معمل الجماعة

في علم الأمراض لا يبدأ الطبيب بالعلاج، بل بالتشخيص؛ ينظر إلى النسيج تحت المجهر، يبحث عن الخلية الشاذة، ويقارنها بما يعده معيارًا للصحة. وما إن يقتنع بأن المرض قد استوطن الجسد، حتى يصبح استئصاله هدفًا طبيّاً لا يحتمل التردد. لكن الخطر يبدأ حين يغادر هذا المنطق المختبر البيطري، ليصبح طريقة في قراءة المجتمعات. فالوطن ليس شريحة زجاجية، والبشر ليسوا خلايا متجانسة، والخلاف الفكري ليس ورمًا يحتاج إلى مشرط.

غير أن بعض العقول، حين تعتاد النظر إلى العالم من خلال المجهر، تنقل أدوات المختبر إلى الواقع، فتبدأ في تقسيم المجتمع إلى أنسجة سليمة وأخرى مريضة، وإلى خلايا ينبغي الحفاظ عليها وأخرى يجب استئصالها.

في هذا المناخ تشكل جانب مهم من وعي محمد بديع مرشد الجماعة الثامن. فقد وُلد عام 1943، ودرس في كلية الطب البيطري، ثم تخصص في الباثولوجيا؛ ذلك الفرع الذي يدرس أسباب المرض وتغيرات الأنسجة والخلايا. لم يكن هذا التخصص سببًا في أفكاره، ولكنه وفر له لغة ذهنية تقوم على التشخيص والتصنيف والبحث عن موضع العطب في الحيوانات.

وعندما التقت هذه اللغة البيطرية بالأدبيات القطبية التي قسمت العالم إلى معسكرين متقابلين، نشأ مزيج بالغ الخطورة: عقل يميل إلى رؤية المجتمع من خلال ثنائية السليم والمريض، ثم يجد في خطاب التنظيم ما يغذي هذه الثنائية ويمنحها بعدًا أيديولوجيًا.

ولم يمض وقت طويل حتى انجذب إلى جماعة الإخوان، ثم إلى التيار الأكثر تشددًا داخلها، متأثرًا بأفكار سيد قطب، التي أعادت تعريف المجتمع بوصفه كيانًا يعيش في “جاهلية” ينبغي تغييرها. وهكذا لم يعد الوطن، في هذا التصور، فضاءً للتعدد والاختلاف، بل مادةً للتشخيص، وميدانًا لإعادة التشكيل وفق معيار التنظيم.

وجاءت قضية تنظيم عام 1965 لتكون نقطة التحول الحاسمة. فقد اعتُقل بديع مع عدد من المنتمين إلى التنظيم، وقضى سنوات في السجن، وهي تجربة تركت أثرًا عميقًا في جيل كامل من كوادر الجماعة. داخل السجون لم يكن الزمن يمر فقط، بل كانت الأفكار تتصلب، والروابط التنظيمية تزداد إحكامًا، ويتحول الشعور بـ (المحنة) إلى جزء من الهوية الإخوانية. هناك اكتمل تشكل العقل القطبي الذي لم يعد يرى المجتمع شريكًا في الوطن، بل موضوعًا للحكم والتقييم والإدانة.

الفصل الثاني: ولادة الأراجوز.. كيف صنعت الجماعة مرشدًا لا يحكم

لا تولد القيادات في التنظيمات الإرهابية من صناديق الاقتراع بقدر ما تولد في غرف الانتقاء المظلمة. فالاختيار لا يقع على أكثر الرجال حضورًا، وإنما على أكثرهم قدرة على الانسجام مع البنية الحقيقية للسلطة داخل التنظيم الإرهابي. وفي مثل هذه البنى التنظيمية، يصبح الولاء معيارًا يتقدم على الكفاءة، والالتزام بالتسلسل الهرمي أهم من الاستقلال في الرأي، حتى يغدو المنصب قناعًا ثابتًا، بينما تتغير الوجوه التي ترتديه.

وداخل جماعة الإخوان، لم يكن قسم التربية مجرد جهاز إداري، بل كان المصنع الذي يعيد تشكيل الأفراد وفق ثقافة السمع والطاعة العمياء والانضباط التنظيمي الصارم. وفي هذا المناخ التنظيمي وجد محمد بديع البيئة التي تلائم تكوينه الفكري؛ فصعد تدريجيًا داخل هرم الجماعة، لا باعتباره صاحب مشروع إصلاحي جديد، وإنما بوصفه ابنًا مخلصًا للمدرسة القطبية التي رأت في الانضباط التنظيمي ضمانة لبقاء الجماعة وتماسكها.

ومع اقتراب انتخابات مكتب الإرشاد والمرشد العام عام 2010، كانت الجماعة تعيش واحدة من أكثر مراحلها حساسية. فقد تصاعد الخلاف بين اتجاهات مختلفة داخلها، وبرزت اعتراضات على طبيعة الإدارة الداخلية وآليات اتخاذ القرار، وانتهت تلك المرحلة بخروج شخصيات محسوبة على ما سمي بالتيار الإصلاحي.

وفي تلك اللحظة لم يكن السؤال الحقيقي: من سيصبح المرشد؟ بل: أي نموذج للمرشد يريده النظام الخاص؟ هل يريد مرشداً يعيد رسم موازين القوى، أم شخصية تحافظ على تماسك البنية القائمة؟ وكانت الإجابة العملية هي اختيار محمد بديع؛ الرجل الذي جاء من قلب المؤسسة التنظيمية، ويحمل تاريخًا طويلًا داخلها، ويُنظر إليه باعتباره قادرًا على تمثيل الجماعة أكثر من إعادة تشكيلها.

وبذلك لم يكن تصعيده مجرد انتقال إداري، بل تعبيرًا عن انتصار رؤية تنظيمية جعلت مركز الثقل موزعًا، حيث بقي مكتب الإرشاد المؤسسة الأهم ظاهرياً، بينما احتفظ عدد من القيادات التنفيذية المتطرفة، وفي مقدمتها خيرت الشاطر ومحمود عزت، بنفوذ واسع في إدارة الملفات التنظيمية والسياسية والمالية والميليشياوية.

ومنذ تلك اللحظة، لم يعد “الأراجوز” يمثل مركز السلطة بقدر ما أصبح عنوانها الظاهر. ولم يكن أدلَّ على أن لقب “المرشد” كان أكبر من سلطته، من تراجعه عن تعهده العلني بعدم تقديم مرشح رئاسي بعد أحداث يناير 2011؛ فما إن صدر قرار القيادة الحقيقية للتنظيم، حتى انقلب الموقف رأسًا على عقب، فتقدمت الجماعة بخيرت الشاطر، ومعه دفعت بمرشح “استبن”، لتسقط آخر أوهام استقلالية القرار، ويتأكد أن من كان يتصدر المشهد لم يكن بالضرورة من يكتبه!

الفصل الثالث: ازدواجية الأقنعة.. فصام الخطاب بين حشد القطيع واستجداء الغرب

في السنوات العجاف التي سبقت انقضاض الجماعة على كُرسي السلطة (2011 – 2013)، عاش التنظيم حالة صاخبة من “الفصام السياسي” والانتهازية. فبينما كان الخطاب الداخلي الموجّه للقواعد يقتات على شعارات “الجهاد، ورفض التبعية للغرب”، كانت الدهاليز الخلفية للتنظيم تشهد هبوطاً اضطرارياً لأقنعة التشدد، واستجداءً محموماً لنيل البركة الدولية. انطلقت قيادات الجماعة الإرهابية في رحلة تسويق رخيصة كـ “بديل آمن” قادر على ضبط الشارع وتأمين المصالح الغربية في المنطقة.

وفي هذا السياق، استثمرت الجماعة الآلة الإعلامية الإخوانية لتصوير لقاءات المرشد وقياداته مع الوفود الغربية وكأنها صكوك اعتراف دولي بالخلافة الإخوانية القادمة. تحول استقبال مسؤولين غربيين سابقين، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي الأسبق “جيمي كارتر”، إلى عرس دعائي إخواني لترويج وهم “الاعتراف الديمقراطي”.

غير أن الحقيقة في الغرف المغلقة كانت مغايرة تماماً؛ إذ كان “المرشد الثامن” وهيئة منتفعيه يقدمون وثائق طاعة سرية، ويستبدلون أدبيات “سيد قطب” بوعود براجماتية مرنة لخطب ود واشنطن وأوروبا، مؤكدين لدوائر الاستخبارات الأجنبية أنهم الحصان الرابح القادر على لجم الفوضى في مصر وتحقيق مصالح إسرائيل، في مشهد جسّد أبشع صور المتاجرة بالشعارات لحساب العرش السلطاني الوهمي.

في المقابل، أثار هذا النفاق التنظيمي نقاشًا حول مدى اتساق هذا الخطاب مع بعض المواقف والرسائل الموجهة إلى القواعد التنظيمية أو مع أدبيات الجماعة التاريخية. وأصبح السؤال المطروح: هل كان الخطاب الموجه إلى الخارج يعبر عن مراجعة فكرية حقيقية، أم عن خطاب سياسي صيغ ليتلاءم مع طبيعة الجمهور الذي يخاطبه؟

ويبرز هذا التساؤل بصورة خاصة عند مقارنة المواقف الإخوانية المعلنة بشأن قضايا مثل الدولة المدنية، ومفهوم الديمقراطية، والاتفاقيات الدولية، ومنها اتفاقية كامب ديفيد، إذ تعددت التصريحات وتباينت لهجتها باختلاف السياقات السياسية والجمهور المخاطَب.

ومن هنا يبرز مفهوم “التموضع المزدوج” (Dual Positioning) كإطار تحليلي كاشف لحالة الفصام التنظيمي؛ وهو التوتر البنيوي الحاد الذي ينفجر حين تتجاور داخل الكيان الإخواني رسائل ومواقف متناقضة يستحيل منطقياً التوفيق بينها.

في العلوم السياسية، تُعد دراسة هذه الظاهرة أداة تشريحية لفهم سلوك جماعة الإخوان التي اعتادت ممارسة “التقية السياسية”، وتغيير جلودها وخطابها بشكل بهلواني تبعاً لاختلاف الجمهور، والظرف، والبيئة المحيطة. إنها محاولة مستميتة للحفاظ على تماسك “القطيع” الإخواني في الداخل بشعارات راديكالية، بالتوازي مع تقديم صكوك الولاء والطاعة للخارج بلغة براجماتية ناعمة.

الفصل الرابع: قصر السلطان الوهمي.. من الإعلان الدستوري المُكبّل إلى رصاص المقطم

لا تُختبر التنظيمات العقائدية الشمولية وهي تختبئ في مظالم مُدعاة وخنادق الأرحام السياسية المؤجرة، بل تظهر حقيقتها العارية عندما توضع على محك السلطة ومواجهة استحقاقات الدولة الوطنية. في تلك اللحظة المفصلية، يسقط قناع “التقية السياسية” لتبرز الأولويات الحقيقية: هل تخضع الجماعة لمنطق الدولة وقوانينها، أم تبتلع الدولة وتحولها إلى مجرد ذراع تنفيذي لخدمة مصالح التنظيم الدولي والأجهزة المعادية التي تُديره؟

عقب قفز “محمد مرسي” إلى سدة الحكم عام 2012، دخلت الدولة المصرية نفقاً مظلماً من التوتر السياسي الممنهج والتجريف الدستوري. وفي نوفمبر من العام نفسه، تجلت أمراض الاستعلاء والتغول الإخواني في أبشع صورها؛ إذ أصدر مرسي إعلاناً دستورياً مكبّلاً للعدالة، منح بموجبه قراراته حصانة مطلقة وضعتها فوق طعن القضاء ورقابة القانون. لم يكن هذا الإعلان مجرد زلة سياسية، بل كان تحولاً كاملاً أخلّ بمبدأ الفصل بين السلطات، وأطلق رصاصة الرحمة على مفهوم التوافق الوطني لترسيخ “دولة الإخوان داخل الدولة”!

تلك الغطرسة التشريعية لم تكن إلا صدى لإملاءات “مكتب الإرشاد” الكامن في المقطم، والذي نصب نفسه سلطة حاكمة فوق مؤسسة الرئاسة، مستخدماً “المرشد الثامن” ودميته في القصر الجمهوري كمجرد واجهات لتنفيذ الأجندة القطبية الحتمية للصدام.

ومن هذا المنطلق الديكتاتوري، انطلقت جحافل التنظيم لمحاصرة المحكمة الدستورية العليا في مشهد همجي لترهيب قضاة مصر، معلنين بوضوح أن شرعية العشيرة تلغي شرعية المؤسسات. لم يتوقف التغول عند حدود حصار المنصات القضائية، ومدينة الإنتاج الإعلامية، بل انتقل الصراع سريعاً إلى محيط المقطم؛ حيث تحول مقر الجماعة من مركز إداري إلى ثكنة مسلحة دافع عنها التنظيم بالرصاص الحي الذي انطلق من النوافذ ليحصد أرواح الضحايا من المصريين.

الفصل الخامس: حين احترق المسرح.. من «سلميتنا أقوى من الرصاص»… إلى بين السرايات وسيناء

تُعد اللغة أولى ضحايا مشهد الذروة في الأزمات السياسية؛ ففي ساحات الاحتجاج، لا تُقاس الشعارات بجمالياتها اللفظية، بل بقدرتها الاستراتيجية على الصمود أمام اختبارات الواقع المعقدة. وكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب المُعلن والممارسة الميدانية، تآكلت القوة التعبوية للشعار، ليتحول من أداة لحشد الأنصار إلى مادة للنقد والمراجعة التاريخية.

عقب العزل الشعبي لمحمد مرسي في يوليو 2013، انزلقت مصر نحو حالة من الاستقطاب المجتمعي الحاد، شكل فيها اعتصام ميدان رابعة العدوية سابقاً بؤرة الفوضى الرئيسية. وفي محاولة لتصدير مظلومية أخلاقية وكسب تعتعاطف محلي ودولي، رفعت قيادات جماعة الإخوان شعار السلمية المطلقة، وبرزت عبارة المرشد الثامن محمد بديع: «سلميتنا أقوى من الرصاص» كركيزة أساسية في الخطاب السياسي والإعلامي الإخواني الموجه.

لكن ديناميكيات الأرض سرعان ما تجاوزت حدود الخطاب؛ إذ كشفت الجغرافيا المحيطة بالاعتصام عن سيناريوهات مغايرة. فشهدت مناطق حيوية مثل محيط جامعة القاهرة ومنطقة “بين السرايات” مواجهات مسلحة ودامية أسفرت عن سقوط ضحايا، وتحولت إلى مسار قضائي موثق نظرته المحاكم المصرية.

وفي هذا السياق، شكلت قضية «غرفة عمليات رابعة» نقطة تحول مفصلية؛ حيث كشفت تحقيقات النيابة العامة وأحكام القضاء عن وجود آليات لإدارة التحركات الميدانية وتوجيه الدعم اللوجستي والإعلامي للعنف الإخواني. لم تكن الكارثة مجرد صدام خشن في الشوارع، بل كانت أزمة مصداقية ضربت النواة الصلبة لخطاب الجماعة الإرهابية.

الفصل السادس: إسدال الستار.. ثورة 30 يونيو.. حين عاد «الأراجوز» إلى حجمه الحقيقي

لا تسقط التجارب السياسية بفعل حدث عارض أو معزول، بل تأتي نتاجاً لتراكمات هيكلية وأزمات متلاحقة تفقد معها السلطة قدرتها على الاحتفاظ بشرعيتها السياسية أو غطائها الشعبي. وفي المشهد المصري، شكلت ثورة 30 يونيو 2013 نقطة تحول جذرية ومفصلية أنهت مسار حكم جماعة الإخوان، بعد عام مأزوم اتسم بالاستقطاب المجتمعي الحاد، والانسداد الدستوري، والتدهور الاقتصادي والأمني الذي هدد بنية الدولة الوطنية واستقلالية القرار المصري ودورها الإقليمي.

لقد تجسدت ذروة الحراك الشعبي في الثلاثين من يونيو بخروج عشرات الملايين في تظاهرات عارمة غطت مختلف محافظات الجمهورية، مطالبة بإنهاء حكم محمد مرسي لاستعادة الدولة والهوية المصرية. ومع تفاقم الأزمة ورفض مكتب الإرشاد ودميته الاستجابة للمطالب الشعبية، انحازت القوات المسلحة المصرية –كعادتها- للإرادة الشعبية؛ حيث أعلنت في الثالث من يوليو 2013 عن “خارطة طريق” مستقبلية. أفضت هذه التحولات المتسارعة إلى إسدال الستار على تجربة الجماعة الإرهابية في السلطة بعد عام واحد فقط من الحكم، لتدخل البلاد مرحلة حاسمة ركيزتها فرض سيادة القانون وإعادة البناء.

وشهدت هذه المرحلة ملاحقات قضائية واسعة شملت إلقاء القبض على النواة الصلبة لقيادات التنظيم الإرهابي، وفي مقدمتهم المرشد العام محمد بديع، وجرت إحالتهم إلى محاكمات علنية وجنائية في قضايا متعددة ارتبطت بالتحريض على العنف والإرهاب. وقد أسفرت هذه المحاكمات عن صدور أحكام قضائية متباينة، تراوحت بين السجن المؤبد والإعدام بحق عدد من المتهمين، صاغت بوضوح نهاية العهد التنظيمي للجماعة.

وقد تجاوزت دلالات تلك المرحلة المصائر الفردية للقيادات الإرهابية لتصل إلى إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي والداخلي لمصر والإقليم بأكمله. فقد انتهت وبشكل قطعي محاولة نقل عقلية “التنظيمات السرية المظلمة” وتطبيقها على إدارة دولة بمؤسسات تفوق عمرها القرون؛ ومن رحم بيان الثالث من يوليو 2013، دُشنت مرحلة تاريخية مغايرة ارتكزت على إعادة بناء مؤسسات الدولة وتطهيرها، والانطلاق بثبات نحو تأسيس “الجمهورية الجديدة” القائمة على سيادة القانون، وتماسك الهوية الوطنية، وصون الأمن القومي بمفهومه الشامل.

وكان الأديب الإيطالي والمسرحي الكبير لويجي بيرانديللو (Luigi Pirandello 1867–1936) قد استدعى مراراً فكرة جوهرية طاردت نتاجه الإبداعي؛ ومفادها أن إمعان الإنسان في ارتداء القناع قد ينتهي به إلى التماهي الكامل معه، حتى يغيب الفاصل بين ملامحه الحقيقية والدور المستعار. وفي تلك اللحظة، لا يمثل السقوط مجرد خسارة لنفوذ أو موقع، بل يشكل انهياراً تاماً للذات المتخيّلة.

وتبرهن الشواهد السياسية عبر التاريخ أن الكيانات التي تصهر الفرد في قالب الجماعة وتُعلي من شأن المسمى التنظيمي على حساب الوعي الإنساني، تبني هيكلاً هشاً يعجز عن مجاراة تحولات الواقع.

ومع إسدال الستار، لا يتبقى لنا سوى استنطاق الحقائق، واستخلاص العِبرة: إن قوة أي مشروع سياسي لا تُقاس بصلابة بنيته التنظيمية، بل بمرونته في مراجعة ذاته، ومدى التزامه باحترام مؤسسات الدولة الوطنية، والتعامل مع المجتمع كشريك أصيل في البناء لا كجمهور يقف على هامش مسرح العرائس تستبدل إرادته بتعليمات أجهزة معادية للدولة وتمويلات خبيثة. فالمنصب لا يصنع رجلًا، كما أن القناع لا يصنع وجهًا؛ وحين يختلط الدور بصاحبه، تكون الملهاة قد بدأت قبل أن يُسدل الستار بوقت طويل.

متعلق مقالات

الأهلى يوجه الشكر لـ«تريزيجيه».. واللاعب يقترب من الرياض السعودى
ملفات

تحديات التطرف.. بين الصعود والصمود!

15 يوليو، 2026
خروج الثعابين والعقارب من الشقوق.. كارثة صيفية و«النمس المصري» هو المنقذ
ملفات

خروج الثعابين والعقارب من الشقوق.. كارثة صيفية و«النمس المصري» هو المنقذ

14 يوليو، 2026
صفقة «أهلاوية»
ملفات

«سايلوفودز».. أحد قلاع الصناعة الوطنية

12 يوليو، 2026
المقالة التالية
شريف فتحي: السوق التشيكي ضمن أكبر 15 سوقًا مُصدرة للسياحة إلى مصر

شريف فتحي: السوق التشيكي ضمن أكبر 15 سوقًا مُصدرة للسياحة إلى مصر

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ملحق الجمهورية التعليمي

الأكثر قراءة

  • فيديو | رئيس جهاز العبور الجديدة يكشف مصير الطلبات المرفوضة في ملف تقنين الأراضي

    فيديو | رئيس جهاز العبور الجديدة يكشف مصير الطلبات المرفوضة في ملف تقنين الأراضي

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • فيديو| نائب وزيرة الإسكان يكشف لـ«الجمهورية» موعد إنهاء ملف الأراضي المضافة بـ6 مدن جديدة

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • شكر مستحق لرجل المهام الصعبة.. عمدة سنتريس «عبد الصمد زهران»

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • كل ما عليك معرفته عن برج الثور الرجل

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
لوجو جريدة الجمهورية
جريدة الجمهورية هي صحيفة قومية أنشأتها ثورة 23 يوليو عام 1952, صدر العدد الأول منها في 7 ديسمبر 1953م, وكان الرئيس الراحل محمد أنور السادات هو أول مدير عام لها, ثم تعاقب على رئاسة تحريرها العديد من الصحفيين ويتولي هذا المنصب حالياً الكاتب الصحفي أحمد أيوب.

تصنيفات

  • أجراس الأحد
  • أخبار مصر
  • أهـلًا رمضـان
  • أهم الأخبار
  • إقتصاد و بنوك
  • الجمهورية أوتو
  • الجمهورية معاك
  • الدين للحياة
  • العـدد الورقـي
  • برلمان و أحزاب
  • تكنولوجيا
  • حلـوة يا بلـدى
  • حوادث و قضايا
  • رياضة
  • سـت الستـات
  • شهر الفرحة
  • عاجل
  • عالم واحد
  • عالمية
  • عرب و عالم
  • عقارات
  • فن و ثقافة
  • متابعات
  • مجتمـع «الجمهورية»
  • محافظات
  • محلية
  • مدارس و جامعات
  • مع الجماهير
  • مقال رئيس التحرير
  • مقالات
  • ملفات
  • منوعات

أحدث الأخبار

احتياطي آمن يصل لأكثر من 30%.. استقرار تام للشبكة الكهربائية والاستهلاك يصل إلى 40 ألف ميجاوات

احتياطي آمن يصل لأكثر من 30%.. استقرار تام للشبكة الكهربائية والاستهلاك يصل إلى 40 ألف ميجاوات

بقلم محمد‭ ‬تعلب
17 يوليو، 2026

الأهلى يوجه الشكر لـ«تريزيجيه».. واللاعب يقترب من الرياض السعودى

نقف مع الشعب القطرى فى هذا الظرف الأليم

بقلم وكالات‭ ‬الأنباء
15 يوليو، 2026

الأهلى يوجه الشكر لـ«تريزيجيه».. واللاعب يقترب من الرياض السعودى

صَوْن سيادة دول الخليج وحماية مقدراتها

بقلم جريدة الجمهورية
15 يوليو، 2026

  • سياسة الخصوصية
  • إتصل بنا – جريدة الجمهورية
  • من نحن – جريدة الجمهورية

جميع حقوق النشر محفوظة لـ دار التحرير للطبع والنشر - 2024 ©

لا توجد نتائج
كل النتائج
  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
إتصل بنا

جميع حقوق النشر محفوظة لـ دار التحرير للطبع والنشر - 2024 ©