الحروب باتت على كل شكل ولون لم تعد حروبًا تقليدية ونظامية فقط تعتمد على القوات البرية والمدرعة و الآليات والمقاتلات والطائرات والمدمرات والصواريخ، لكننا أمام أسلحة جديدة رغم بساطتها وانخفاض تكلفتها مقارنة بالأسلحة التقليدية المعهودة مثل المقاتلات الشبحية أو أحدث حاملات الطائرات، والصواريخ البالستية، ذات المدايات الكبيرة، لكن الأمر اختلف خاصة فيما افرزته، حرب روسيا وأوكرانيا، والعدوان الصهيونى على قطاع غزة واتساعه إلى لبنان واليمن ثم الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران عن المسيرات الانتحارية والانقضاضية أو مختلف أنواع المسيرات التى باتت تؤدى دورًا حاسمًا ومؤثرًا ومؤلمًا فى الحروب سواء فى تصوير الأهداف المعادية والتمركزات أو تدمير المنشآت والأسلحة، أو قوات العدو ولذلك طرحت هذه المسيرات والصواريخ ذات التكلفة المنخفضة الكثير من التساؤلات وفرضت واقعًا مغايرًا باتت الجيوش الكبرى تتوقف أمامها كثيرًا هل تتخلى عن الأسلحة ذات الأحمال الكبيرة مثل حاملات الطائرات والمدمرات والصواريخ الفتاكة؟ أم تعكف على تقديم تكنولوجيا جديدة تمتزج من الأسلحة والقطع الكبرى والأسلحة الجديدة مثل المسيرات أو البحث عن طرق ونظم لإبطال مفعول هذه المسيرات؟ لكن بطبيعة الحال بعدما أحدثته المسيرات الأوكرانية فى العمق الروسى واقترابها من الكرملين أو بعد الدمار الهائل الذى أصاب القوات الأمريكية وحاملات الطائرات، والأهداف والمنشآت الحيوية فى إسرائيل وقواعد أمريكا فى المنطقة بفعل المسيرات والصواريخ الإيرانية، هناك إعادة نظر وترتيب لإعداد دروس مستفادة خاصة فى الجيوش الكبرى.
مع تعدد وتنوع واختلاف الأسلحة الفتاكة والمؤثرة فى الحروب النظامية التقليدية ويظل الفرد المقاتل هو صاحب الرهان الحقيقي، وعنصر الحسم، فالمقاتل صاحب العقيدة والشجاعة والإيمان بقضيته واستعداده للتضحية هو أقوى وأخطر وأهم سلاح فمهما اختلفت وتغيرت أشكال الحرب فإن نتيجتها النصر أو الهزيمة ستكون رهن مدى القدرة على السيطرة والتمسك بالأرض، فليس هناك دولة يتم احتلالها دون أن يسيطر العدو على أرضها، ولديه القدرة على التمسك والثبات عليها، وهناك أيضا معيار يحدده ويرسمه المقاتل، إذا تقدم المقاتل للأمام فهذا هو النصر، أما التراجع للخلف والتفريط فى الأرض فهذه هى الهزيمة إلا إذا كان لأسباب تكيتكية.
هذا ما ناقشناه فى الجزء الأول من المقال لكن هذا الجزء يتحدث عن حروب من نوع مختلف ليست حروبًا تقليدية مكانها ميادين القتال، ولكن ساحتها هى العقول فهى تستهدف بالأساس السيطرة على العقول واحتلالها، وهذا النوع من الحروب الجديدة ويطلق عليها الجيل الرابع والخامس ظهر بشكل واضح خلال الأربعة عقود الأخيرة وهى حروب لا تحتاج لتكلفة عالية وميزانيات ضخمة وهناك فارق شاسع بين تكلفة وميزانية الحروب النظامية والتقليدية وبين تكلفة الحروب الجديدة الجيلين الرابع والخامس ربما لا تتعدى تكلفة بضعة صواريخ أو لا تزيد على ملايين من الدولارات تنفق على توفير وسائل التكنولوجيات والإعلام، سواء من منصات وخلايا الكترونية تستوجب أجهزة حواسب وانترنت، إضافة إلى الاستعانة بالمرتزقة والخونة والطابور الخامس وتقوم أجهزة المخابرات المعادية بتوصيفهم بأنهم معارضين، أو لاجئين، المهم أن التكلفة أقل بكثير، لكن النتائج والخسائر أن لم تنتبه الدول المستهدفة تكون كارثية وتفوق نتائج وخسائر الحروب التقليدية التى قد تنتهى بهزيمة أو نصر، أو فشل أو احتلال جزء من الأرض مع بقاء الدولة، لكن حروب الجيل الرابع والخامس قد تؤدى إلى سقوط الدولة نفسها وإشاعة الفوضي، وتقويض الدولة الوطنية ومؤسساتها، وهو أمر واقع نراه فى محيطنا الإقليمى وفى دول الجوار كتداعيات لمؤامرة الربيع العبرى والفوضى الخلاقة طبقًا للمخطط الصهيو ــ أمريكى بعد أن تمكنت المؤامرة من تزييف وعى الشعوب واحتلال العقول، وتحريضها على الفوضى والتدمير وفى ذات الوقت تقوم قوى الشر بالإجهاز على مؤسسات الدولة خاصة الجيش الوطنى أو الأجهزة الأمنية المنوطة بتوفير الأمن والأمان ومواجهة الانفلات.
الحروب من هذا النوع ترتكز على تزييف الوعي، والسيطرة وإدارة العقول بعد احتلالها من خلال المبالغة فى تشويه الدولة ونظامها ونشر الأكاذيب والشائعات والتشويه والتشكيك والتحريض وهز الثقة، وضرب الثوابت، والعمل على الوقيعة ومحاولات وحملات مستمرة لتقويض الاصطفاف الوطني.
لا شك أن صلابة الشعوب ووعيها هو صمام الأمان للأوطان، وتسقط المؤامرات والمخططات ومحاولات إسقاط الدولة على صخرة الوعى والاصطفاف من هنا فإن هذه الحروب الخبيثة، تسعى لتحقيق أهداف الحروب التقليدية والنظامية ولكن بوسائل وأسلحة مختلفة، والحقيقة أن مصر تكاد تكون الدولة الوحيدة فى العالم التى تواجه مثل هذه الحروب بكثافة غير مسبوقة من حيث عشرات الشائعات يوميًا ناهيك عن محاولات التقليل من كل انجاز عظيم يضيف لقوة وقدرة الدولة، وأكاذيب وشائعات وتشكيك فى كل شيء من أجل افقاد المصريين ثقتهم فى أنفسهم وقيادتهم وقدرتهم على انجاز الأعمال الكبري، لكن هناك أسباب افشلت هذه الحملات التى تضخ سموم الأكاذيب والشائعات هى وعى المصريين، الذى يرى الواقع يتغير للأفضل وحجم القوة والقدرة التى ينالها الوطن، وقدرته على تحدى الأزمات والتحديات والتهديدات وكيف وصلت مصر إلى هذه المكانة المرموقة إقليميًا ودوليًا وأمل كبير فى مستقبل أفضل.
مصر لديها قيادة سياسية لا تعرف إلا العمل والرؤى والإرادة وتحقيق النجاحات تلو الأخري، تتحمل الكثير من الإساءات لكن فى النهاية تنتصر الإرادة المصرية وتتقدم البلاد إلى الأمام ورغم كل ذلك لا تتوقف حملات الأكاذيب والشائعات لأنها أقصى ما يملكه أعداء الأمة المصرية القوية والعصية على أى مواجهة مباشرة بسبب قوة وقدرة الردع المصرية وتماسك شعبها لكن فى النهاية هذا الرهان على مثل هذه الحملات لم يحقق أى هدف، وأيضا حالة المصارحة والشفافية، والوعى الذى تحرص عليه القيادة السياسية، وما يتحقق على أرض الواقع، والوعى الشعبى بما يحاك لمصر من مؤامرات ومخططات يجعل من نجاح قوى الشر فى ضرب الوعى المصرى أمر بالغ الصعوبة.
وعندما تقرأ دفتر تفاصيل الشائعات تجدها تستهدف كل شيء فى جميع القطاعات والمجالات وأيضا محاولات هز الثقة وتشويه الرموز المصرية وهذه الحملات ليست فقط فى أعدادها الملفتة ولكن فى حجم الوقت الذى تستحوذ عليه يوميًا من مصادر كثيرة تليفزيونية، ورقمية من خلال خلايا الكترونية، وحتى الصحف الورقية المعادية لا تتوقف، من هنا فإن الشعب المصرى يستحق التحية، فرغم هذا الكم الهائل من الأكاذيب والشائعات والتحريض والتشويه الذى يتزامن مع مواجهة تداعيات أزمات اقتصادية جراء حروب إقليمية ودولية وهو الأمر الذى يؤكد عظمة وعى وذكاء المصريين لكن تبقى الأكاذيب والشائعات سلاح خطير إذا لم تنتبه إليه الدول بخطاب يعتمد على المصارحة والشفافية وبناء الوعى واجهاض حملات تزييف الوعى بالحقائق والواقع..









