ما بين التقاء حُمرة الجبال بالخضرة الشاحبة لأطراف الوادي، لا يتوقف التراب عن سرد حكاياته. هنا، في منطقة “الشيخ عبد القرنة السفلى”، وتحت شمس الجنوب التي شهدت مجد الفراعنة، نجحت البعثة الأثرية الهولندية التابعة لجامعة “لايدن” في إماطة اللثام عن فصل جديد من فصول التاريخ المصري القديم؛ بإعلانها الكشف عن مقبرة أثرية فريدة تعيد للذاكرة تفاصيل حياة المصريين قبل آلاف السنين.
هذا الكشف الذي جاء نتاج عمل دؤوب خلال موسم الحفائر الحالي، لم يكن مجرد عثور على أحجار قديمة، بل هو بمثابة بعثٍ لشخصية غيبها الموت من عصر الرعامسة يُدعى “باسر” (Paser)، لتخرج تفاصيل حياته، وعلاقته بزوجته، وطقوس تعبده، من عتمة الأرض إلى نور المعرفة.
ملامح من العمارة الطيبة: هندسة على شكل «T» مقلوب
لم تكن المقبرة مجرد مدفن، بل كانت بيتاً للأبدية صُمم بعناية فائقة ليتوافق مع الطراز المعماري المعتاد لمقابر الأفراد في “طيبة” خلال عصر الدولة الحديثة.
وفي هذا السياق، يشرح محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، التخطيط المعماري للمقبرة قائلاً:
«تتكون المقبرة من فناء خارجي، ومقصورة منحوتة في الصخر على شكل حرف (T) مقلوب، بالإضافة إلى حجرات للدفن تحت سطح الأرض».
ويضيف عبد البديع واصفاً الحالة الإنشائية الجيدة للفناء الخارجي:
«يضم الفناء عدداً من العناصر المعمارية المحفوظة بحالة جيدة جداً؛ من بينها مصطبة من الطوب اللبن تتوسطها فجوة مخصصة لتثبيت لوحة جنائزية (Stela)، إلى جانب سلم تحيط به منحدرات من الجانبين يؤدي بشكل انسيابي إلى مدخل المقبرة».
جداريات نابضة بالحياة.. «باسر» وزوجته أمام مائدة القرابين
تحت طبقة رقيقة من الأتربة تراكمت عبر القرون، تخبئ جدران المقبرة رسوماً ملونة ساحرة تحمل اسم صاحبها “باسر”. تروي هذه اللوحات الجدارية جانباً من المعتقدات الدينية والاجتماعية في تلك الحقبة؛ حيث تُظهره في لقطات وهو يتعبد بخشوع أمام عدد من المعبودات داخل مقاصيرهم، بينما تصوره لقطات أخرى في لحظة إنسانية دافئة برفقة زوجته وهما يجلسان أمام مائدة عامرة بالقرابين، وكأنهما يتحديان الفناء بالحب والخلود.
ومن جانبه، يوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الأهمية التاريخية والفنية لهذا الكشف بالقول:
«من خلال دراسة نقوش المقبرة والأسلوب الفني المتبع فيها، تبين أنها تخص شخصاً يُدعى «باسر»، ومن المرجح بشكل كبير أنها تعود إلى عصر الرعامسة».
وعن الخطوات المقبلة للبعثة، يؤكد الدكتور الليثي أن الرحلة مع «باسر» لم تنتهِ بعد:
«فريق العمل سيواصل أعمال الدراسة والتوثيق داخل المقبرة؛ بهدف تحديد هوية الأشخاص الذين دُفنوا بها وإعادة بناء سيرهم الشخصية، إلى جانب دراسة المقبرة في سياقها التاريخي والأثري، بما يسهم في تقديم فهم أعمق للعلاقة بين مقابر المنطقة والبيئة المحيطة بها، وإلقاء الضوء على التطور التاريخي والثقافي لمنطقة الشيخ عبد القرنة السفلى».













