المتابع لأهداف وخطط وبرامج الدولة المصرية خلال العشر سنوات الماضية يدرك تماماً الاهتمام بمحورى الصحة والتعليم وبوضعها من أهم محاور بناء الانسان وتقدم الأمم.. واطلقها صريحة عميد الأدب العربى عندما عاد من بعثته بفرنسا.. واطلع على النهضة العلمية.. والفوارق الكبيرة بين مجتمعات متحضرة متعلمة ومجتمعات يحاصرها الفقر والجهل.. فقال التعليم كالماء والهواء.. لا غنى عنه وحق للجميع.. ثم جاءت ثورة يوليو 52.. فجعلت التعليم الإلزامى ضمن مبادئها.. لكن ظل العيب فى التطبيق والتنفيذ وليس المبدأ.. ولم يتحقق الهدف من حق الجميع فى التعليم.. حتى احتسبه البعض من سلبيات ثورة يوليو التى اتاحت التعليم للجميع.. وظلت الأمية بين المتعلمين.. تؤرق مسار التعليم والثقافة فى المجتمع.. وظلت الوزارات المتعاقبة تتحدث عن تطوير التعليم .. وتطوير المناهج.. وكل من يأتى له فلسفة خاصة.. ونظرية متفردة محاولاً تقليد غير دقيق للمدارس التعليمية المتقدمة.. دون الأخذ فى الاعتبار.. المقومات والمعايير المتغايرة.. فتأتى كل المحاولات دون تحقيق الهدف وتقتصر المحاولات على حذف جزء من المنهج أو اضافة جزء.. دون النظر إلى الهدف والمنتج من العملية التعليمية وهو الطالب أو الخريج..
<<<
وامامنا العديد من التجارب العملية فى النهوض بالمنظومة التعليمية وانعكاس ذلك مباشرة على الخريج وتلبية احتياجات سوق العمل المحلى والدولي.. ولن اتحدث عن ألمانيا والنهضة الصناعية.. ولا فرنسا.. أو اليابان.. أو الجامعات الامريكية.. بل دول بسيطة حديثة.. بدأت نهضتها مع بداية الثمانينات.. ماليزيا.. وسنغافورة.. ماذا فعل الدكتور مهاتير محمد.. فى البداية.. وقبل تطوير الجامعات والمدارس والمناهج.. ماليزيا كانت قبائل متصارعة.. لا علم ولا عمل.. حياة بدائية بعيدة عن كل تقدم.. فوضع نظاماً تعليمياً عملياً مهنياً.. بعيداً عن المناهج الدراسية والنظريات والامتحانات.. جمع الشباب من سن 18 عاماً حتى الأربعين.. وحول مراكز الشباب.. والمدارس.. والجامعات إلى معسكرات عمل وعلم.. وضع نظاماً صارماً.. بدأ تدريب الشباب خلال هذه المعسكرات على كل الحرف والمهن التى تحتاجها الدولة بدءاً من السباكة والكهرباء والنجارة والقيادة حتى تصميم وابتكار الأجهزة الدقيقة.. طوال 6 أشهر لم يخرج شاب من المعسكر.. أشبه بمدارس داخلية.. تدريب.. أكل.. شرب من نوم.. التزام دقيق وانضباط غير مسبوق.. وبعد الاشهر الستة منح الجميع اجازة لمدة أسبوع.. وحدد موعد الحضور من الاجازة فى السابعة صباحاً.. واستبعد كل من تأخر عن هذا الموعد ليكون أول درس فى الالتزام والانضباط.. وخلال عامين كان لديه جيش من المهنيين والحرفيين والفنيين فى كل المجالات.. وبدأ تشغيل المصانع التى استعان بها من بريطانيا التى درس بها الاقتصاد والعلوم السياسية.. وانطلقت ماليزيا إلى عالم الانتاج والصناعات الالكترونية.. ثم طور الجامعات الماليزية لتصبح ضمن الأفضل فى التصنيف العالمى للجامعات.. واصبح دخل الفرد ومعدل النمو ضمن الأفضل فى العالم.. دون الحاجة إلى حشو المناهج.. وطلاسم التعليم.. والحفظ والتلقين ثم الغش.
<<<
وفى سنغافورة.. البسيطة العملاقة.. كان التعليم هو المحور الأساسى فى نهضتها الصناعية والانتاجية.. وطالعوا تصنيف جامعات وتعليم سنغافورة فى التصنيف العالمي.. انطلقت ثورة التعليم فى تلك الدولة المصغرة الكبيرة من مبدأ «ادرس أقل.. أتعلم اكتر».. العبرة بالتعليم وليس بكثرة المناهج.. وارجو من خبراء التعليم لدينا الاطلاع على مناهج الدراسة بدءاً من كى جى ون إلى الثانوية العامة ليجدوا الطلاسم.. والحشو.. وتنفير الصغار من العملية التعليمية.. فعلى سبيل المثال.. فوجئت بالصغير يأتى إلى ويطلب تحفيظه أول سورة اخذها فى العام الدراسي.. سورة «الهمزة» وهى من الكلمات الصعبة على الكبار قبل الصغار وتحتاج قراءة واعية وسليمة لا يجيدها الصغير.. «ويل لكل همزة لمزة.. الذى جمع مالا وعدده.. يحسب أن ماله اخلده.. كلا لينبذن فى الحطمة وما ادراك ما الحطمة نار الله الموقدة.. صدق الله العظيم.. فقلت لماذا هذه السورة بالذات أين «اقرأ..» وهى دعوة للقراءة والعلم ومناسبة جداً للصغار والكبار.. أين «وتعاونوا على البر والتقوي» أين : واعتصموا بحبل الله جميعا.. دعوة للتعاون والتآخى والعمل.. لماذا نميل إلى التعقيد والحشو وتصعيب المهمة على الصغار لماذا نجعل مناهجنا طاردة؟.









