خروج المنتخب المصري من كأس العالم بصورة مشرفة يجب ألا يكون نهاية الحكاية، بل بداية لمراجعة حقيقية لمنظومة صناعة اللاعب المصري.
فالوصول إلى المنافسة العالمية لا يتحقق بالصدفة، وإنما ببناء قاعدة ناشئين قوية تمتلك رؤية وأهدافاً محددة.
المثير للدهشة أنه حتى الآن، لا توجد قاعدة بيانات دقيقة أو إحصاءات رسمية تعلن عدد لاعبي الناشئين بمصر، أو عدد الأكاديميات وحجم استثماراتها السنوية، فكيف يمكن التخطيط لمستقبل اللعبة؟
خلال السنوات الماضية، ظل نموذج النجم محمد صلاح هو الحلم الذي يراود آلاف الأسر؛ لاعب موهوب يخرج من قريته ويقطع المسافات يومياً حتى يشق طريقه ويصبح أحد أساطير الكرة العالمية .. لكن الاعتماد على تكرار هذه القصة وحدها لم يعد مقبولاً؛ فصلاح حالة استثنائية صنعتها الموهبة والإصرار الفردي، بينما صناعة النجوم في الدول الكبرى تحولت إلى صناعة مؤسسية دقيقة لا تعتمد على المصادفات.
المشكلة الكبرى أن منظومة ناشئين كرة القدم بمصر انحرفت وتحولت تدريجياً إلى بيزنس تجاري يدر أرباحاً طائلة للمستثمرين أكثر مما يصنع مواهب.
فأصبحنا نرى لجوء نجوم سابقين لتأسيس أكاديميات تجارية تحمل أسماءهم، وتتحمل الأسر الجزء الأكبر من التكلفة. بل إن بعض الأندية أصبحت تفصل المواهب تماماً عن بيئاتها الأسرية لتتولى إدارتهم، وكأن منظومة صناعة المماليك في التاريخ تعود ثانية بشكل كروي واستثماري جاف.
وتكفي نظرة سريعة إلى الأرقام لفهم حجم الأزمة؛ فطفل لديه موهبة عندما ينجح في اختبارات أندية الدرجة الثانية أو الثالثة بالجيزة أو لقاهرة، تحتاج أسرته رسوم لنادي تتراوح ما بين 5 و10 آلاف جنيه لقيد في الاتحاد، مع اشتراك شهري ما بين 1000 و1700 جنيه، فضلاً عن حقيبة المستلزمات التي تصل إلي 4500 جنيه!
هكذا تتحول رعاية الموهبة إلى عبء اقتصادي خانق يقصم ظهر أسر الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل، لتتوقف أحلام أطفالهم لأن الأهل لا يستطيعون تحمل التكلفة.
والأخطر أن كثيراً من الناشئين يجدون أنفسهم أمام معادلة صفرية صعبة بين الاستمرار في الملاعب أو الحفاظ على مستواهم التعليمي. وإذا اختار اللاعب التركيز على الكرة، ينشأ لدينا ناشئون بلا تعليم جيد، وإذا لم يحالفهم التوفيق الكروي يجدون أنفسهم بلا بديل في الحياة، بينما اللاعب المتعلم والمثقف يكون أكثر قدرة على تطوير أدائه وفهم التكتيك داخل الملعب وخارجه.
إننا في مصر نملك تجربة ملهمة تستحق الدراسة في رياضة كرة اليد؛ حيث نجحت الدولة، واتحاد اللعبة ، في بناء منظومة مستدامة لإعداد أجيال متعاقبة هدفها الوصول إلى قمة العالم .. ولعل وزير الشباب والرياضة الحالي هو أكثر من يدرك هذا الأمر كونه من خريجي هذه المدرسة الناجحة.
وهذا هو الدرس الحقيقي الذي تحتاجه كرة القدم المصرية اليوم. فالمطلوب ليس البحث العشوائي عن صلاح جديد، وإنما بناء منظومة وطنية قادرة على إنتاج عشرات المحترفين في كل جيل، عبر اكتشاف المواهب مبكراً ورعايتها مجاناً، ووضع سقف مالي لرسوم قيد الناشئين لحماية أبناء الاسر المتوسطة محدودي الدخل، بالتوازي مع حوكمة الأكاديميات الخاصة وسماسرة اللاعبين، وإنشاء قاعدة بيانات رقمية موحدة لكل ناشئ في مصر، عندها فقط، يتحول الحلم الكروي إلى مشروع وطني مستدام، وليس مجرد قصة نجاح استثنائية يصعب تكرارها.









