تؤكد النظريات الاقتصادية أنه كلما تم تخفيض أسعار الفائدة بالبنوك، أدى ذلك إلى تحقيق انتعاش اقتصادي، حيث تخرج المدخرات من «مكامنها» سعيًا لتأسيس مشروعات أو الاستثمار في البورصة، إضافة إلى أن هذا التخفيض سيقلل من أعباء الحصول على الائتمان اللازم للاستثمار. وهذا الكلام وإن كان صحيحًا نظريًا، إلا أنه عند تطبيقه على أرض الواقع يواجه مشكلات كبيرة وكثيرة؛ فليس كل مواطن لديه الخبرة الاقتصادية ولا القدرة الاستثمارية على إدارة أمواله بطريقة آمنة. ومن هنا تبقى البنوك بمختلف أنواعها هي الملاذ الآمن للحفاظ على أموال المصريين، وخاصة مودعي القطاع العائلي الذين يعتمدون على ما يحصلون عليه من فوائد على مدخراتهم لسد جزء من أعباء الحياة.
©©©
في ثمانينيات القرن الماضي انفجرت قضية شركات «توظيف الأموال» التي أوهمت المواطنين بأنها البديل الأفضل للبنوك من خلال منحهم أرقام فوائد خرافية. كانت الظاهرة خطيرة ولم تكن تعبر عن استثمار حقيقي، وتصدت لها الدولة بقوة، واكتشفنا حقائق مروعة حول طبيعتها ونشاطها ومن يقفون وراءها.
ومع مطلع القرن الحالي ظهرت نسخة جديدة من نشاط توظيف الأموال، ولكن لم تأخذ في هذه المرة شكل الشركات، بل جاءت في صورة أشخاص يقومون بشكل فردي بجمع الأموال من الناس لتشغيلها، وهو ما عُرف بظاهرة «المستريح». لم تنتهِ الظاهرة نهائيًا، بدليل أننا بين الحين والآخر نسمع عن ظهور «مستريح» جديد في قرية أو مدينة بعد أن يكون قد جمع عشرات الملايين من الجنيهات، وفر بها هاربًا.

©©©
اليوم تعود الظاهرة من جديد ولكن على أيدي «هواة» على الإنترنت، يدشنون صفحات، يزعمون فيها أنهم يقومون بالتداول في «الفوركس» و«البيتكوين» وغيرها من العملات الرقمية، وأنهم يحققون أرباحًا فورية، وما عليك سوى أن ترسل مبلغًا من المال يبدأ من 50 ويصل إلى 5 آلاف جنيه، مع نشر جدول بـ«الأرباح الموعودة» لمن يشارك. الظاهرة منتشرة، وقادني الفضول الشخصي لمتابعتها، حيث يبدأ صاحب الصفحة بإرسال صورة بطاقة شخصية مزعومة له، مع بعض الفيديوهات التي يسبح فيها أشخاص بحمده وفضله، وأنه هو الذي ساعدهم على حل مشاكلهم وسداد ديونهم وتزويج أولادهم.
هنا ينساق الضحية في تحويل المبلغ، وبعد نصف ساعة، يتلقى الرسالة: مبروك يا أفندم أنت كسبت معانا، وكمان جالك «بونص» زيادة، وبدل ما هتستلم 800 جنيه، لا.. أنت لك 3800 جنيه.. ولكن مطلوب تحويل 170 جنيهًا أخرى، وهي مصاريف تحويل الأرباح، لأن الفلوس «متعلقة» على «السيستم» باسمك ولا يمكن تحويلها إلا بعد إرسال المبلغ. وعلى الفور يدرك الضحية أنه يجري وراء «السراب»، وأنه مُقبل على «دوامة» من عمليات النصب يقوم بها «صغار المستريحين» الجدد الذين يستغلون ضغوط الحياة وما أكثرها.
©©©
أتمنى أن تحظى هذه الظاهرة بمواجهة فورية من الجهات المعنية بجرائم الإنترنت، كما أطالب القطاع المصرفي بقيادة السيد حسن عبد الله محافظ البنك المركزي بإعادة النظر في هيكل أسعار الفائدة وخاصة التي تُقدم لمدخري القطاع العائلي.
البنوك هي الحصن الحقيقي للمصريين وقد لعبت دورًا كبيرًا في حماية المجتمع والنظام الاقتصادي من الانهيار في أصعب الظروف التي مرت بها مصر، ودورها في دعم المشروعات القومية لا يُستهان به، والمؤكد أن خفض أسعار الفائدة لن يدفع آحاد المواطنين لتأسيس الشركات، بل ستكون نتيجته المحتومة إما تآكل مدخراتهم، أو سقوطهم فريسة لعمليات النصب والاحتيال. البنوك هي السند والأمان، فلا تتركوا أموال الناس نهبًا ومطمعًا لكل «مستريح جديد».









